لم تسلم "أي عائلة" من القمع العنيف الذي واجهت به السلطات الإيرانية موجة الاحتجاجات الأخيرة، حسبما قال إيراني شارك في التظاهرات متحدثاً عن مشاهد مروعة لإطلاق نار على محتجين، وتجنب كثيرين الذهاب إلى المستشفيات خوفاً من الاعتقال.
وروى المهندس البالغ 45 عاماً والذي اختار فرهاد اسماً مستعاراً له كيف وجد نفسه في قلب الاحتجاجات التي هزت مدينته التي فضل عدم تحديدها، حيث تعيش مليون نسمة على تخوم طهران، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".
وبعد أسابيع من الاحتجاجات التي قمعت بالعنف، تبقى إيران مقطوعة عن العالم بسبب حجب خدمة الإنترنت. ومن هنا تأتي أهمية الشهادات المباشرة لمعرفة ما حصل على أرض الواقع في هذا البلد الذي يتخطى عدد سكانه 92 مليون نسمة.
وبدأت الاحتجاجات في إيران في 28 كانون الأول/ديسمبر بسبب المصاعب الاقتصادية، لكنها توسعت في أنحاء البلاد بحلول 8 كانون الثاني/يناير، مشكلة أكبر تحد لنظام الجمهورية الإسلامية الذي يحكم البلاد منذ أكثر من أربعة عقود.
وقال فرهاد: "في اليوم الأول، كان عدد المحتجين كبيراً جداً لدرجة فضلت قوى الأمن أن تبقى على مسافة منهم" لكنها "أدركت في اليوم الثاني أنها إن لم تطلق النار عليهم، فلن يكون في وسعها تفريقهم". ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، اشتد القمع قبل قطع الاتصالات في 8 كانون الثاني/يناير.
وروى المهندس الذي يعمل في قطاع النفط الإيراني أنه كان في السيارة مع شقيقته عندما بدأ إطلاق النار. وقال: "رأينا حوالى 20 عسكرياً يخرجون من مركباتهم ويطلقون النار على شباب من مسافة 100 متر تقريباً. رأيت الناس يركضون فيما كانوا يطلقون عليهم النار من الخلف"، مشيراً إلى أنهم كانوا يستخدمون بنادق صيد.
وتابع: "أمام عيني أصيب صديق هو طبيب بعيارات نارية في وجهه من بندقية صيد" مشيراً إلى أنه يجهل مصيره، فيما اتهمت منظمتا العفو الدولية "أمنستي" و"هيومن رايتس ووتش" قوى الأمن باستخدام رصاص بغلاف معدني لاستهداف المتظاهرين في الرأس والصدر. وروى فرهاد أيضاً: "رأيت شخصين ينقلان بعد إصابتهما بجروح خطرة وقد فارقا الحياة على الأرجح".
وأصيب كثيرون آخرون وهم في سياراتهم لأن الرصاص كان يطلق من كل حدب وصوب. وكان المصابون في أحيان كثيرة لا يذهبون إلى المستشفيات خشية اعتقالهم "من السلطات والشرطة المتواجدة فيها"، بحسب فرهاد الذي أضاف أنه "كان يتم توقيف كل جريح أصيب بطلقات نارية". وكشف أن "أطباء كانوا يتوجهون إلى منازل المصابين لعلاجهم".
وتعرض فرهاد نفسه للضرب بهراوة من شخصين على دراجة نارية وظن أن ذراعه كسرت لكنه لم يذهب إلى المستشفى لأنها خطوة "بالغة الخطورة". ورغم كل المخاطر، بقي التضامن قائماً بين المحتجين. وفتح "كثيرون منازلهم لإدخال المتظاهرين وتقديم الرعاية الأولية لهم"، مثل شقيقته وصديقتها "اللتين استقبلتا حوالى 50 شاباً مع تقديم الشاي والكعك لهم".
وأشار فرهاد إلى مشاركة عدد كبير من الصغار في السن و"كثير من النساء والفتيات". ورأى أطفالاً "في السادسة أو السابعة من العمر" يطلقون شعارات مناوئة للمرشد الأعلى علي خامنئي. وكانت قوى الأمن تجري تفتيشات دورية، مستهدفة كل شخص تظهر عليه إصابات مرتبطة بالاحتجاجات، مع التدقيق في الهواتف الجوالة.
وأورد المهندس الأربعيني: "كان الأمر بالغ الخطورة لأنهم كانوا يفتشون في الهواتف عشوائياً. وإن وجدوا أي شيء على صلة بهذه الثورة، قضي على الشخص المعني". واستطرد: "كانوا يجبرون الناس أيضا على رفع قمصانهم للبحث عن آثار الإصابات. وإذا ما وجدوا أي علامة، كانوا يعتقلون الشخص لاستجوابه".
ورغم من كل ذلك، لم تضعف عزيمة الشعب على التظاهر "من شدة غضبه". وقرر فرهاد الإدلاء بشهادته لوكالة "فرانس برس" قبيل عودته إلى إيران "حيث ينتظرني عملي"، مشدداً على أنه لا يخاف "بتاتاً" من العودة. وهو على قناعة بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيفي قريباً بوعده بالتدخل، مشيراً إلى معلومات حديثة تفيد بوصول بوارج أميركية إلى المنطقة. وأكد: "لا يمكن للنظام أن يصمد. خنقت الديكتاتورية الجميع في إيران. وسئمنا" القادة الحاليين.
