كان طالب الفنون أرش يسير عائداً إلى منزله في شوارع طهران عندما أنهت رصاصة من بندقية حياته، ولم يكن قد هتف بأي شعارات أو انضم إلى صفوف المتظاهرين أو أبدى أي شكل من أشكال الاحتجاج.
وروى أحد أصدقائه خلال حديثه عبر الهاتف من العاصمة الإيرانية تفاصيل مقتل أرش بصوت يكسوه الحزن، وقال إن أرش سقط على الفور بلا حراك على الرصيف. كان في الثانية والعشرين من العمر، حسبما نقلت وكالة "رويترز".
وقال الصديق، الذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً على سلامته، أنهما توقفا على الرصيف لمتابعة احتجاج في ساحة ونك القريبة عندما وصلت قوات الأمن بزيها الأسود وبدأت في إطلاق النار عشوائياً على المتظاهرين.
وكان مقتل أرش في 8 كانون الثاني/يناير مثالاً على ما يقول شهود أنه بات واقعاً في أحدث موجة احتجاجات مناهضة للحكومة في البلاد، حيث وجد مارة لا علاقة لهم بالاضطرابات أنفسهم في مرمى النيران أو لقوا حتفهم خلال محاولتهم الفرار من الفوضى.
ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الرواية أو من تقارير مماثلة من شهود عن وقوع وفيات خلال حملة السلطات لقمع الاضطرابات، ولم يتسن تحديد عدد القتلى من المدنيين الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات لكنهم سقطوا جراء إطلاق النار قرب مواقع التظاهر. لكن روايات العائلات والشهود كانت متسقة، وتشير إلى أن القوة العشوائية التي استخدمتها قوات الأمن لقمع الاضطرابات أسفرت عن مقتل كثير من المدنيين الذين لم يشاركوا في المظاهرات، ما ترك العائلات تبحث في المستشفيات والمشارح ومراكز الاحتجاز عن إجابات.
ولم يتسن التواصل مع المسؤولين في إيران للتعليق على الوفيات الواردة في التقرير، حيث بدأت السلطات في حجب خدمات الهاتف والإنترنت عندما اتسعت رقعة الاحتجاجات في أنحاء البلاد. واعتباراً من 13 كانون الثاني/يناير، أصبح بإمكان الإيرانيين إجراء مكالمات هاتفية دولية صادرة، في حين مازالت المكالمات الواردة محظورة. ولم ترد بعد بعثتا إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف ونيويورك على طلبات التعقيب المرسلة إليهما.
وأنحت السلطات باللائمة في الاضطرابات والوفيات على "الإرهابيين ومثيري الشغب" المدعومين من المعارضين خارج البلاد وأطراف خارجية معادية هي الولايات المتحدة وإسرائيل. وبث التلفزيون الرسمي لقطات لمقرات الشرطة والمباني الحكومية المحترقة ومساجد وبنوك لحقت بها أضرار بالغة قالت إنها تعرضت لهجمات من "الإرهابيين ومثيري الشغب".
وقالت وكالة أنباء ناشطي حقوق الإنسان "هرانا"، وهي منظمة حقوقية تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، أنها تحققت حتى الآن من مقتل 4519 شخصاً في الاضطرابات، منهم 4251 متظاهراً و197 من أفراد الأمن و35 شخصاً دون 18 عاماً و38 من المارة الذين قالت أنهم ليسوا متظاهرين ولا أفراد أمن.
وتراجع "هرانا" 9049 حالة وفاة إضافية، فيما قال مسؤول إيراني لـ"رويترز" أن عدد القتلى المؤكد حتى يوم الأحد بلغ أكثر من خمسة آلاف قتيل، منهم 500 من قوات الأمن. وذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية اليوم الأربعاء أن هيئة أمنية مرتبطة بوزارة الداخلية قدرت عدد قتلى الاضطرابات عند 3117 قتيلاً.
وبدأت الاحتجاجات في 28 كانون الأول/ديسبمر بمظاهرات محدودة في بازار طهران الكبير بسبب المصاعب الاقتصادية وسرعان ما امتدت في أنحاء البلاد. وفي غضون أيام، طالبت الحشود في المدن والبلدات بإنهاء حكم رجال الدين، وعرض التلفزيون الرسمي لقطات لمن وصفهم بأنهم "مثيرو الشغب" وهم يحرقون صور المرشد المتشدد علي خامنئي.
وقالت منظمة العفو الدولية "أمنستي" أنها وثقت إطلاق قوات الأمن المتمركزة في الشوارع وفوق أسطح مبان سكنية ومساجد ومراكز للشرطة النار على نحو متكرر من بنادق آلية وبنادق الخرطوش، وغالباً ما كانوا يصوبون على رؤوس وأجساد أفراد عزل. وأضافت المنظمة أن الأدلة تشير إلى تصعيد منسق على مستوى البلاد في استخدام قوات الأمن غير المشروع للقوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين في الغالب.
وشكلت الاضطرابات أحد أخطر التهديدات للمؤسسة الدينية الحاكمة منذ سنوات، حيث هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرارا بالتدخل إذا استمر قتل المتظاهرين في الشوارع أو إذا أعدموا، قبل أن يتراجع. وأشارت السلطة القضائية الإيرانية إلى إمكانية تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعتقلين خلال الاحتجاجات.
وذكرت روايات عديدة من داخل إيران، بما في ذلك إفادات أشخاص غادروا البلاد، أن قوات الأمن أطلقت الذخيرة الحية عشوائياً، لتحول الشوارع إلى ما شبهه شهود بمناطق حرب. وكان بين الضحايا الفتاة فريبا (16 عاماً) التي وصفتها والدتها منيجة، بأنها مفعمة بالحياة. وفي إحدى الليالي خرجت برفقة والدتها لمجرد مشاهدة الاحتجاجات، فهاجم عناصر الأمن على دراجات نارية المتظاهرين.
أمسكت منيجة يد ابنتها واحتمت بسيارة متوقفة وسط إطلاق النار. وفي حالة الذعر التي تلت ذلك، أفلتت قبضتها وانفصلت الأم عن ابنتها. وسردت منيجة الأحداث عبر الهاتف وهي تبكي: "بحثت في شارع تلو الآخر وأنا أصرخ باسمها. اختفت". وفي تلك الليلة، بحثت العائلة في مراكز الشرطة والمستشفيات. وعثروا على فريبا بعد يومين داخل كيس أسود في مركز الطب الشرعي في كهريزك جنوب طهران، وكانت مصابة بطلق ناري في القلب وجسدها بارد.
وأخبر المسؤولون العائلة بأن "إرهابيين" قتلوها. وقالت الأم: "لا، كنت هناك في تلك الليلة. فتحت قوات الأمن النار على الناس. قتلوا طفلتي". وأظهرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لقطات لعائلات تبحث عن أقاربها بين مئات أكياس الجثث في المشارح ومركز كهريزك. وتحققت "رويترز" من أن موقع مقاطع الفيديو هو مركز كهريزك، لكن لم يتسن التحقق من هوية الأشخاص وتاريخ تصوير مقاطع الفيديو.
وقال طبيب غادر إيران في 14 كانون الثاني/يناير أن المستشفيات مكتظة بضحايا الطلقات النارية. وفي مدينة كرج، غربي طهران، وصف أحد السكان استخدام قوات الأمن البنادق الآلية ضد المتظاهرين والمارة في 8 كانون الثاني/يناير. ووردت روايات مماثلة من مدينة كرمانشاه غرب البلاد حيث استخدم الحرس الثوري المركبات المدرعة والدبابات لسحق المظاهرات.
أما في أصفهان، فروى شقيق رجل يبلغ 43 عاماً كيف حمل جثة شقيقه الغارقة في الدماء بعدما أطلقت قوات الأمن النار عليه. وقال مسعود (38 عاماً) في اتصال هاتفي: "لم يفعل شيئاً سوى إيواء المتظاهرين المراهقين الفارين في متجره". ومثل غيره من الإيرانيين الذين أجريت معهم مقابلات لإعداد هذا التقرير، طلب مسعود حجب اسمه الكامل خشية الانتقام.
وفي حالة أخرى، أمضت عائلة نسترن، وهي معلمة في مدرسة ابتدائية في طهران تبلغ من العمر 28 عاما، أياماً في البحث عنها بعدما لم تعد من زيارة إحدى الأقارب في 9 كانون الثاني/يناير. وعثروا على جثتها في مستودع قرب طهران. وقال والد نسترن أن قوات الأمن أطلقت النار عليها. وأضاف أن السلطات لم تسمح بتسليمهم الجثة إلا بشرط دفنها في مسقط رأس العائلة في وسط إيران وضغطت عليهم لتحميل المسؤولية لـ"الإرهابيين"، وهو ما رفضه الأقارب.
وقالت عائلة أخرى في مدينة رشت شمال البلاد أن قوات الأمن اقتحمت شقتهم بعدما رصدت ابنتهم سيبيده (33 عاماً) وهي تشاهد الاحتجاجات من النافذة. وقال شقيقها مرتضى: "حطموا الأبواب وهم يوجهون السباب إلينا ويصرخون. احتجزوها. لا نعرف أين هي". وأضاف: "يبكي طفلا شقيقتي الصغيران عليها، وجرى تحذير زوجها من أنه سيجري اعتقاله إذا استمر في البحث عنها".
