أثار انتشار مقطع فيديو يوثق قيام مجموعة مسلحة باستخدام مكبرات الصوت في أحد المساجد بمدينة القامشلي لبث أغان، حالة جدل واسعة في مواقع التواصل، إذ اعتبر بعض السوريين هذه الحادثة "انتهاكاً لحرمة دور العبادة"، كما اعتبروها رسالة سياسية مباشرة تحمل دلالات تتجاوز الفضاء الديني إلى الصراع المفتوح حول الهوية والمشروع السياسي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في شمال شرق سوريا.
وحسب تحقق أجرته "المدن" مع أشخاص يتقنون اللغة الكردية، تبين أن النشيد الذي بث عبر مكبرات الصوت هو "أي رقيب"، وهو نشيد قومي كردي يعود إلى قصيدة كتبها الشاعر الكردي دلدار خلال اعتقاله في إيران العام 1938، ولحنها لاحقاً الموسيقي حسين البرزنجي، ويحمل عنوانه معنى مخاطبة الرقيب أو الحارس الذي يراقب السجين، في تعبير رمزي عن القمع والصمود. وارتبط النشيد تاريخياً بتجربة جمهورية مهاباد الكردية التي نشأت في شمال غرب إيران، واستمرت نحو أحد عشر شهراً في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، قبل أن يعتمد لاحقاً كنشيد رسمي لإقليم كردستان العراق، مما منحه بعداً سياسياً وقومياً يتجاوز كونه عملاً فنياً أو تراثياً.
إلا أن البعد السياسي للنشيد مقروناً بمكان بثه، فجّر موجة استياء واسعة بين ناشطين سوريين رأوا أن استخدام المساجد لبث أناشيد ذات طابع قومي انفصالي يشكل استفزازاً مباشراً لمجتمع متعدد المكونات، تعيش فيه أغلبية عربية مسلمة إلى جانب مكونات مسيحية وآشورية وسريانية، ولا ترى نفسها ممثلة بمشروع قومي كردي عابر للحدود.
واعتبر معلقون أن ما جرى يعكس استخفافاً بخصوصية المكان الديني ومحاولة لفرض خطاب سياسي أحادي في فضاء يفترض أن يكون محايداً وجامعاً.
وتداول ناشطون تعليقات حادة اعتبرت أن بث نشيد قومي كردي من مسجد في الحسكة، رسالة إقصائية تعكس قطيعة مع فكرة الانتماء الوطني السوري، فيما ذهب آخرون إلى تشبيه ما جرى بممارسات نظام الأسد حين استخدم المساجد والمؤسسات الدينية لخدمة خطابه السياسي، محذرين من أن هذه التصرفات قد تؤدي إلى تأجيج التوتر والعنف في مناطق ذات غالبية عربية، تعيش أصلا حالة احتقان أمني واجتماعي.
في المقابل، دافع ناشطون أكراد عن الخطوة، معتبرين أن النشيد يمثل ذاكرة وهوية قومية جامعة للأكراد وأن بثه يندرج في إطار التعبير عن هذه الهوية، لا سيما في ظل ما يعتبرونه تهديداً وجوديا لمكتسبات الإدارة الذاتية معتبرين أن رفع النشيد الوطني الكردي لا يقل عن رفع آذان الصبح "الله أكبر".
ويأتي هذا الجدل في توقيت سياسي بالغ الحساسية تزامناً مع إعلان "قسد" حالة النفير العام، ودعوة قائدها مظلوم عبدي الأكراد في دول الجوار والعالم إلى الانضمام لما وصفه بـ"الكفاح من أجل الأكراد"، في خطوة قرأها مراقبون على أنها تصعيد سياسي وعسكري ورسالة تحدّ موجهة لدمشق وحلفائها.
وفي خلفية ذلك كله، تستمر التوترات بين "قسد" والحكومة السورية بعد فشل اتفاق وقف إطلاق النار وسط تقدم ميداني للقوات الحكومية في مناطق غرب الفرات، وضغوط سياسية متزايدة لإعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين عززتتها التصريحات الأميركية الأخيرة، إذ أكدت واشنطن بشكل علني دعمها لسوريا موحدة تحت مظلة الدولة، وضرورة دمج "قسد" ضمن مؤسساتها، وهو موقف فسّره مراقبون على أنه تخل واضح عن أي دعم لمشاريع حكم ذاتي أو مسارات انفصالية خارج الإطار السيادي السوري.
