رواية الحسكة تهزّ اتفاق وقف إطلاق النار...ولا تسقطه

مصطفى الدباسالاثنين 2026/01/19
Image-1768839592
عناصر من الأمن العام السوري يتفقدون نفقاً لـ"قسد" في الرقة (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد إعلان الحكومة السورية الأحد عن توقيع اتفاق مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، يقضي بوقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية و"قسد"، بالتوازي مع انسحاب جميع التشكيلات العسكرية الكردية إلى منطقة شرق الفرات، انتشر بشكل مفاجئ وسريع هاشتاغ "أنقذوا الحسكة" باللغتين العربية والإنكليزية، وتحديداً وسم #SaveHasakah، في توقيت لافت وبوتيرة غير اعتيادية.

 

وترافق انتشار الهاشتاغ مع رسائل مكثفة تدعو الحكومة السورية إلى التدخل الفوري في محافظة الحسكة، بزعم ارتكاب جرائم تطهير عرقي بحق المدنيين العرب.. كما جرى تداول مقاطع فيديو غير واضحة لأشخاص يصرخون من دون تحديد المكان أو طبيعة الحدث، إلى جانب مقطع لامرأة تستغيث من دون أي معلومات دقيقة حول سياقه الزمني أو الجغرافي.

 

 

في هذا المناخ المشحون، نشرت وكالة "سانا" بيانين رسميين، تضمن أولهما إدانة واضحة لما وُصِفَ بأنه جرائم وقعت في الحسكة، حيث تبنى البيان المعلومات المتداولة حينها بشكل كامل، وصدر على أساسها موقف رسمي يدين ما قيل إنه انتهاكات بحق المدنيين، قبل أن تتبعه منشورات لإعلاميين مقربين من الدولة، نقلوا بدورهم معلومات عن مصادر قالوا إنها من داخل الحسكة، تؤكد قيام "تنظيم قسد" بارتكاب جرائم بحق المدنيين.

 

 

وكتب الإعلامي قتيبة ياسين منشوراً قال فيه إن "تنظيم قسد ينتقم من المدنيين العرب في الحسكة ويرتكب بحقهم مجازر مروعة ويحرق منازلهم"، كتب الإعلامي موسى العمر منشوراً قال فيه إن الأخبار المتداولة من جبل عبد العزيز تتحدث عن "إعدامات بحق الأطفال والنساء والرجال وأعمال قنص" نفذها تنظيم "قسد". 

 

في المقابل قدّم أحد الأشخاص المهتمين بتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي والمتابعين لحركة الهاشتاغات، قراءة تحليلية لانتشار وسم #SaveHasakah، خلص فيها إلى أن ما جرى لا يمكن فصله عن نمط تضليل منظم يهدف إلى دفع الناس نحو الاقتتال الداخلي، مع التأكيد، وفق التحليل، أن ذلك "لا ينفي تماماً مقتل عدد من المدنيين في الحسكة"، لكن الهاشتاغ، بحسب القراءة نفسها، يتجاوز مسألة الضحايا المدنيين إلى أهداف أوسع.

 

 

ويظهر التحليل أن الهاشتاغ بدأ بالانتشار قرابة الساعة الثامنة مساء الأحد بعد ساعات قليلة من الإعلان عن وقف إطلاق النار.. وخلال ثماني ساعات فقط، تجاوز عدد التغريدات 52 ألف تغريدة قبل أن يشهد تراجعاً حاداً ومفاجئاً في عدد المشاركات، حيث وصلت بعض الدقائق إلى صفر تغريدة، وهو نمط يستخدم عادة في الحملات المنسقة أو المدفوعة.  كما أظهر التحليل أن غالبية الحسابات التي شاركت في الترويج للوسم تحمل أسماءً وصوراً مستعارة، وأن مضمون التغريدات يتسم بدرجة عالية من التجييش والتحريض، مع اعتماد واسع على صور ومقاطع فيديو مضللة، بهدف إثارة حالة من الاقتتال الداخلي.

 

بدورها، قالت منصة "تأكد" المختصة بالتحقق من المعلومات، إن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا مقطع فيديو زعم أنه يظهر امرأة من محافظة الحسكة تستغيث، بالتزامن مع نشر معلومات عن تنفيذ عناصر يتبعون لقوات سوريا الديمقراطية مجازر بحق سكان محليين، وادعت بعض المصادر أن أعداد الضحايا من العرب تجاوزت 150 شخصاً بينهم نساء وأطفال.

 

 

وأوضحت المنصة أن فريقها تحقق من المقطع المتداول، وتبيّن عبر البحث العكسي أنه مقطع قديم منشور على شبكة الإنترنت منذ منتصف العام 2025، وكان قد نسب حينها إلى مدينة القامشلي، مما يجعل الادعاء المتداول بشأن ارتباطه بأحداث الحسكة الأخيرة ادعاء مضللاً.

 

رواية أخرى

بالتوازي مع ذلك، انتشر مقطع فيديو لشخص قال إنه من المنطقة، شرح فيه ما جرى في جبل عبد العزيز والنشوى، مؤكداً أن إطلاق النار ما يزال مستمراً في بعض النقاط، لكن من دون وجود مجازر أو أرقام ضخمة جرى الترويج لها. ووفق روايته فإن عدداً من المدنيين خرجوا للاحتفال بتقدم الحكومة السورية والعشائر، وبالتوازي مع حالات انشقاق من عناصر قسد، وتوجهوا إلى أحد مقرات قسد في قريتي تل مجدل والعشرة، قبل أن يتفاجأوا بوجود عناصر قسد داخل تلك المقرات، حيث جرى إطلاق النار على المدنيين، بما في ذلك إطلاق نار من داخل مدرسة ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وطفل وإصابة ستة آخرين إضافة إلى احتفاظ قسد بجثتين وستة جرحى، نافياً بشكل قاطع وقوع مجازر أو صحة الأرقام المتداولة.

 

 

لاحقا، نشرت وكالة "سانا" بياناً ثانياً عن وزارة الداخلية، قالت فيه إنها تتابع "ببالغ الأهمية" التقارير الواردة حول حدوث مجازر في الحسكة، مؤكدة أنها باشرت تحقيقات رسمية للتثبت من صحة المعلومات المتداولة، وهنا يبدو البيان أكثر حذراً ولا تبنى المعلومات المنتشرة، ويتعامل معها بأنها غير مؤكدة.

 

بلبلة وتوتر في الشارع

في هذا السياق، انتشرت رواية على نطاق واسع، مفادها أن الهدف من إطلاق هذا الهاشتاغ كان إحداث بلبلة وتوتر في الشارع، بما يدفع إلى استمرار الاقتتال بين قسد والعشائر في الحسكة، الأمر الذي قد يؤدي إلى نسف الاتفاق الموقع بين قسد والحكومة السورية. 

وذهب محللون ومتابعون إلى أن ما جرى يحمل بصمات تخطيط خارجي من جهات لا تريد للاقتتال أن يتوقف، وأن الهدف كان استدراج العشائر إلى مواجهة مباشرة مع "قسد"، بحيث تظهر الحكومة السورية لاحقاً بمظهر الطرف الذي خرق اتفاق وقف إطلاق النار، مما يتيح لـ"قسد" استخدام هذا الملف على المستوى الدولي، وتقديم الحكومة بوصفها الجهة المسؤولة عن الانهيار.

 

 

وفي منشور لاحق، قال نائب وزير الإعلام عبادة كوجان، عبر حسابه الرسمي، إن الوزارة "لن تتهاون مع أي مؤسسة أو منصة، أو صحافي مستقل، أو صانع محتوى، يدلي بمعلومات مضللة أو مشوهة أو تحريضية"، مؤكداً أن هذا الإجراء "لا يتنافى مع الحريات الصحافية في سوريا بل يصونها"، وشدد على أن "الكلمة والصورة أمانة بالمقام الأول".

 

 

بدورها، أعلنت وزارة الإعلام إطلاق صفحات مديرية إعلام الحسكة عبر منصات تواصل رسمية وموثوقة، بهدف نقل الأخبار والمستجدات، وعرض النشاطات والبيانات الرسمية بكل شفافية ومهنية. ويرى مراقبون أن الإعلان عن إطلاق صفحة مديرية إعلام الحسكة جاء ليؤكد للناس أن المعلومات المؤكدة حول ما يجري في الحسكة سيتم نشره حصراً عبر هذه الصفحة. 

 

 

وحسب المعطيات المتوفرة، ساهمت استجابة وزارتي الإعلام والداخلية إلى جانب دور ناشطين ومحللين، في ضبط حالة التخبط والهلع التي أصابت رواد وسائل التواصل الاجتماعي حول حقيقة ما يجري في الحسكة، في وقت كان يمكن فيه لهذا التجييش أن ينذر باشتباكات أوسع وربما بوقوع مجازر بحق المدنيين واستمرار دوامة العنف.

 

ولم يعرف من يقف فعلياً خلف إطلاق هاشتاغ #SaveHasakah، إلا أن اللافت وفق متابعين، أن عدداً من المعارضين لحكومة دمشق والمقيمين في فرنسا وإسبانيا وألمانيا والإمارات العربية المتحدة، أعادوا تداول الهاشتاغ ووجهوا اتهامات مباشرة لـ"قسد" بارتكاب مجازر من دون تقديم أي أدلة، رغم أن هؤلاء أنفسهم كانوا خلال فترات الاقتتال السابقة من أبرز الداعمين لـ"قسد" في مواجهتها مع الحكومة.  هذا التناقض في المواقف دفع مزيداً من المراقبين إلى التشكيك في خلفيات الحملة واعتبارها محاولة مدروسة لإشعال اقتتال جديد، وإفشال اتفاق وقف إطلاق النار في لحظة سياسية حساسة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث