مواجهات شرق سوريا: كيف تُصنع سردية التمدد وحقول الطاقة؟

المدن - ميدياالأحد 2026/01/18
Image-1768741298
سوريون يعودون إلى دير حافر بعد سيطرة القوات الحكومية السورية عليها (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتسارع المواجهات بين القوات الحكومية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، على امتداد الشريط الواصل من شرق حلب الى ضفاف الفرات، مع تقدم ميداني باتجاه مواقع تعد مفصلية في معادلة السيطرة، مثل دير حافر في ريف حلب الشرقي ثم الطبقة في محافظة الرقة، ومركز مدينة الرقة، بالتوازي مع توسع القتال شرقاً في دير الزور، حيث تتركز حقول نفط وغاز ذات قيمة استراتيجية.

وتعرض وكالات كبرى مثل "رويترز" و"اسوشييتد برس" التطورات بوصفها انتقالاً من تفاهمات انسحاب وترسيم خطوط تماس جديدة على الفرات، إلى صدام مباشر، بعد اتهامات متبادلة بخرق اتفاق الانسحاب، وسط اشارات إلى تدخل ميداني للتحالف بقيادة الولايات المتحدة عبر "طلقات تحذيرية/إشارات" لتفادي اتساع الاشتباك، ثم محاولة تهدئة سياسية عبر تحركات دبلوماسية في أربيل.

 

دير الزور

في دير الزور، تركز "رويترز" على أن القوات الحكومية مدعومة بمقاتلين عشائريين، سيطرت على حقول رئيسية مثل "العمر" و"كونيكو"، وعلى شريط جغرافي طويل قرب الحدود العراقية وصولاً إلى بلدات في ريف دير الزور، باعتبار ذلك تحولاً اقتصادياً وعسكرياً يضغط على "قسد" في مناطق يغلب عليها الطابع العربي، ويضع ملف الطاقة في قلب المعركة.

اللافت في التغطية الغربية، هو هيمنة نموذج الخبر عبر الوكالات، حيث تتحول الوقائع الميدانية إلى نقاط ارتكاز ثابتة تتكرر باللغات الألمانية والفرنسية والانكليزية، ثم تضاف إليها طبقات تفسيرية متفاوتة بحسب كل مؤسسة، لكن ضمن قاموس واحد تقريباً يدور حول تقدم حكومي سريع وقوة كردية مدعومة أميركياً واتفاق دمج متعثر وقلق غربي من أثر القتال على الحرب ضد "داعش".

 

بسط السيطرة الحكومية

ويظهر ذلك بوضوح في النسخة الاميركية من السرد،  حيث تربط تقارير "اسوشييتد برس" السيطرة على الطبقة بسدها وقاعدتها الجوية، وتعيد الحدث إلى سياق أوسع، عنوانه محاولة دمشق إعادة بسط السلطة بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع الإشارة إلى اتفاق سابق آذار/مارس لدمج مناطق "قسد" في مؤسسات الدولة، ثم وضع دعوات واشنطن للتهدئة في مقدمة المشهد السياسي المرافق للخبر.

أما "رويترز" فتدفع السرد خطوة إضافية نحو الاقتصاد والأمن، عبر وضع حقول النفط والغاز وخطوط السيطرة قرب الحدود العراقية، واحتمالات تفجر توترات عشائرية في دير الزور، في قلب المادة، وهي زاوية تجعل النزاع يبدو في عين القارئ الغربي صراعاً على الموارد وعلى ترتيبات النفوذ، بقدر ما هو صدام بين قوتين محليتين.

 

انهيار التفاهم

وفي بريطانيا تميل "الغارديان" إلى لغة أكثر تفسيرية من الوكالات، وتضع المواجهات ضمن سردية "انهيار آمال التفاهم" وعودة منطق فرض الوقائع، مع نقل اتهامات "قسد" لدمشق بـ"خرق الاتفاق" بالتوازي مع دعوات حكومية سورية لانسحاب كامل شرقي الفرات، بما يحول المادة من مجرد متابعة ميدانية إلى قراءة سياسية لمسار التفاوض المتعثر.

وفي ألمانيا، تبدو زاوية واشنطن أكثر حضوراً في الخبر نفسه، حيث نقلت "دويتشلاند فونك" دعوة الجيش الأميركي إلى وقف تقدم القوات الحكومية بين حلب والطبقة، وربط الاشتباكات مباشرة بتناقضها مع مسار "إدماج" الأكراد في الإدارة والجيش، وهو تأطير يجعل القارئ الألماني يرى القتال من نافذة واحدة تقريباً، كاختبار اتفاق سياسي ووقلق أميركي وخشية من انزلاق أوسع.

وفي فرنسا تظهر في العناوين والملخصات المتاحة لصحف مثل "لوموند" ومنصات إخبارية ناطقة بالفرنسية، اعتماد واضح على سرديات الوكالات أيضاً، مع تركيز على مفردات مثل "السيطرة والانسحاب والعنف والتسوية"، أي تقديم النزاع كملف دولة تسعى لتوسيع سلطتها مقابل قوة كردية تفاوضت ثم اصطدمت بحدود الاتفاق.

 

ماذا يعني هذا النوع من التغطية؟

هذا النمط  من التغطية، يعيد إنتاج الحدث كقصة عن إعادة تشكيل الدولة السورية بعد 2024، مع ثلاث عدسات تفرضها غرف الأخبار الغربية بشكل شبه ثابت، وهي عدسة الشرعية والسيادة، عبر استخدام مفردات على نمط إعادة بسط السيطرة وتوحيد البلاد، وعدسة التحالفات عبر وصف "قسد" كقوة مدعومة أميركياً وتذكير القارئ بدورها ضد "داعش"، وعدسة الاقتصاد والأمن عبر حقول النفط والغاز والسدود، بما يجعل الموارد والبنية التحتية جزءا من تعريف الحدث نفسه.

كما أن الاعتماد الواسع على الوكالات يقلل مساحة التفاصيل الميدانية المستقلة، ويزيد من أثر "لغة المصادر الرسمية"، سواء كانت حكومية سورية أو بيانات "قسد" أو تصريحات أميركية، وهو ما يفسر تشابه الصياغات بين الالمانية والفرنسية والانكليزية، حتى عندما تختلف نبرة التحليل بين مؤسسة وأخرى.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث