دخل برنامج "لقمة وطن" على شاشة "الجديد" إلى ملف سلامة الغذاء، بأسلوب هجومي، صادم أحيانًا، محاولًا كسر الاعتياد العام على الرداءة والتطبيع مع التسمم بوصفه أمرًا واقعًا.
من خلال مداهمات لمطاعم ومعامل في مختلف المناطق، وكاميرا تسبق أجهزة الرقابة، وبحضور وزارة الصحة كشريك مباشر في المشهد، فتح البرنامج أسئلة أساسية حول ما يستهلكه اللبنانيون يوميًا، ومن يراقب هذا القطاع، وأين تقف حدود المحاسبة؟
من كشف المخالفات إلى الاستهداف الشخصي
تتحدّث زهراء فردون لـ"المدن"، عن كلفة شخصية ومهنية مرتفعة ترافق هذا النوع من العمل، مؤكدة أنها تواجه "تحدّياً كبيراً على المستويات المعنوية والنفسية والجسدية". وتشير إلى أن البرنامج يصطدم، في كثير من الأحيان، بجدران مقفلة داخل الإدارات المحلية، "إذ تُغلق أبواب بلديات ومحافظين بفعل الضغوط التي يتعرّضون لها من أصحاب مطاعم ومعامل مخالِفة".
وتلفت إلى أن أكثر ما يرهقها، هو انتقال الاستهداف من الإطار المهني إلى الشخصي، قائلة إن أحد أصحاب المعامل سبق أن تعرّض لعائلتها، وهو ما شكّل لحظة ضغط قاسية دفعتها إلى التفكير بالتوقف، قبل أن تعود وتقرّر الاستمرار بعدما هدأت.
وتكشف فردون تعرّضها لتهديدات مباشرة، موضحة أن أحد أصحاب المطاعم هدّدها "بتركيب ملف مفبرك" وإرساله إلى إدارة القناة، بعد انكشاف مخالفات لديه. كما تتحدّث عن ضغوط مالية ومحاولات ابتزاز، فضلًا عن مواجهات اتّسمت أحيانًا بالعنف اللفظي والجسدي، واتهامات بأن البرنامج يسيء إلى صورة البلد والقطاع الغذائي.
وتردّ على ذلك بالقول: "نحن لا نضر البلد، بل نحمي الناس".
وعن أسلوبها الذي يثير الجدل، تعترف فردون بأن مقاربتها لا تحظى بإجماع، "فهناك من يحبّ هذا الأسلوب، وهناك من يرفضه"، لكنها ترى أن عفويتها وشبهها بالناس شكّلا عنصرًا أساسيًا في وصول الرسالة، معتبرة أن نجاح الفقرة مرتبط بطبيعة التقديم بقدر ما هو مرتبط بالمضمون.
خضة في ملف الغذاء
الحال أن "لقمة وطن"، الذي تعرض منه "الجديد" خمس حلقات إضافية في هذا الموسم، ومن المرجح أن يُصار إلى تجديده لموسم جديد، لا يظهر كمجرّد برنامج تلفزيوني عابر، بل كمحاولة إعلامية جدّية لإحداث خضّة في ملف طال إهماله، وكأول تجربة استقصائية تلفزيونية تقتحم بشكل مباشر "مطابخ البلد"، وتعيد وضع سلامة الغذاء في صلب النقاش العام.
توضح ألين باز، منتجة البرنامج، المتبقي منه نحو خمس حلقات ضمن الموسم الحالي، في حديث لـ"المدن"، أن خوض هذا النوع من البرامج لم يكن خطوة عابرة، بل "تحدّيًا قبلناه منذ البداية، على قاعدة أن نكون محميّين رسميًا من الوزارات المعنية".
وتشير إلى أن المداهمات التي يُظهرها البرنامج لا تُنفَّذ بمبادرة إعلامية منفردة، بل تتم "بالتنسيق الكامل مع الوزارات، التي تُحدّد أصلًا المعامل والمطاعم التي تداهمها الدولة"، مؤكدة أن دور البرنامج يقتصر على التغطية ونقل الحدث، "فنحن لا نصنع الخبر، بل نغطيه".
إيذاء أصحاب المؤسسات
وتلفت باز إلى أن طرح الملف بهذه الطريقة يلفت الانتباه حتمًا ويثير الجدل، لكنها ترفض توصيفه كأداة لإيذاء أصحاب المؤسسات، قائلة إن "البرنامج لا يخرّب بيوت الناس". وتضيف أن طبيعة التفاعل الجماهيري تفرض نفسها، إذ إن "المطاعم غير المطابقة والفاسدة هي التي تصنع الضجّة، فيما المؤسسات النظيفة لا تثير الاهتمام نفسه، لا على وسائل التواصل الاجتماعي ولا خارجها"، موضحة أن المطعم الذي يثبت نظافته لا يحظى بالضجيج الذي يرافق كشف المخالفات.
وتختم بالتأكيد أن الفساد "لا يأتي تلقائيا، بل يجرّ بعضه بعضا"، لكنها ترى في المقابل أن مكافحته ممكنة "عندما نُسلّط الضوء على الخطأ". فبحسب مقاربتها، حين تتوافر الرقابة وتُفرض المعايير، تتراجع مساحات الفساد، ويُعاد تكريس ثقافة مفادها أن الاستثمار في النظافة والالتزام الصحي ليس كلفة خاسرة، بل عائد طويل الأمد على المؤسسات نفسها، بعيدا عن منطق الإهمال أو الرشى.
حماية الناس أم قطع أرزاقهم؟
أثار برنامج "لقمة وطن" انقسامًا واضحًا في الرأي العام اللبناني، بين من رأى فيه أداة حماية وتوعية تُمكّن المستهلك من معرفة ما يأكله، وبين من اعتبره وسيلة لقطع أرزاق الناس، وهي وجهة نظر تتقدّم عادة من مواقع المخالفة أو المتضرّرين مباشرة من كشف المخالفات. هذا الانقسام أعاد طرح السؤال الإشكالي القديم: أين ينتهي حق الإعلام في التوعية، وأين يبدأ التشهير؟
في هذا السياق، يرى الدكتور محمود طربيه، المتخصص في الإعلام الرقمي، في حديث لـ"المدن"، أن البرنامج أسهم بشكل واضح في رفع مستوى الوعي لدى الرأي العام حيال سلامة الغذاء، في مقابل واقع قائم أساسًا من عدم مطابقة عدد من المؤسسات الغذائية للمواصفات والمعايير الصحية. ويشير طربيه إلى أن البرنامج يعتمد أسلوبًا استقصائيًا واضح المعالم، إذ لا تُنفّذ المداهمات بشكل منفرد أو سرّي، بل تتم بمرافقة مراقبين رسميين، ما يخرجها من إطار الاستعراض الإعلامي الصرف إلى مساحة المساءلة العلنية.
ويشدّد طربيه على أن توصيف ما يجري بالتشهير لا يستقيم في هذه الحالة، طالما أن الكشف لا يستند إلى انتقائية أو استنسابية، ولا يطال مؤسسات عشوائية، بل مطاعم ومعامل معروفة تُسجَّل بحقها مخالفات واضحة وموثّقة. فالتشهير، بحسب قوله، يتحقّق حين يُستخدم الإعلام كأداة ضغط انتقائي أو تصفية حسابات، لا حين يُسلَّط الضوء على خلل مثبت يهدّد الصحة العامة.
عمليًا، يلاحظ طربيه أن البرنامج حرّك "المياه الراكدة" في هذا القطاع، إذ بدأت بعض المؤسسات الغذائية بإعادة النظر في ممارساتها، وأعاد عدد من أصحاب المطاعم ترتيب أوضاعهم الصحية، تحسّبًا للمساءلة أو استجابةً للضغط العام. كما ساهم البرنامج، برأيه، في تحويل المواطن نفسه إلى طرف رقابي، أكثر حذرًا وتدقيقًا في خياراته الغذائية، وهو ما انعكس تراجعًا في الثقة، خصوصًا بخدمات التوصيل، التي تشير معطيات غير رسمية إلى انخفاض الطلب عليها بنسبة تقارب 20 في المئة.
يؤثر سياحياً؟
ذهبت بعض الأحاديث إلى اعتبار أن البرنامج قد يُلحق ضررًا بالقطاع السياحي في لبنان، ولا سيما أن البلاد تُعرف بمطبخها الغني ومطاعمها الشهيرة، وأن عرض هذا النوع من البرامج قد ينعكس سلبًا على صورتها السياحية. غير أن طربيه يستبعد أن يُلحق "لقمة وطن" أي أذى بصورة المطبخ اللبناني أو بالقطاع السياحي عمومًا. فالسائح، وفق توصيفه، غالبًا ما يكون أكثر اطلاعًا من المقيم على واقع البلد وتفاصيل أزماته، ولا يختزل تجربته بمشهد إعلامي واحد. كما أن مضمون البرنامج موجَّه أساسًا إلى الجمهور الداخلي، لا إلى السياح أو المغتربين، ويقع في إطار كشف خلل محدَّد ومعالجته، لا في سياق تشويه صورة شاملة عن لبنان.
