بثت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عربي، تقريراً من الجولان السوري المحتل بعنوان "لم أعد أشعر بالأمان"، ركز على ما وصفه بارتفاع غير مسبوق في طلبات الحصول على الجنسية الإسرائيلية بين سوريي الجولان خلال العام 2025، مقدماً ذلك بوصفه نتيجة مباشرة لمسار من الأحداث الأمنية والسياسية في سوريا.
ويبدو العنوان مثيراً لجهة الحديث عن متقدمي الجنسية، في وقت تفيد الأرقام الاسرائيلية بأن عدد حاملي الجنسية الإسرائيلية من دروز الجولان يبلغ نحو ستة آلاف شخص، من أصل أكثر من 29 ألفاً، فيما ما تزال الغالبية تحمل صفة مقيم دائم وترفض التجنيس.
مجدل شمس
وينطلق التقرير من حادثة مجدل شمس حيث قتل 12 طفلاً بصاروخ تقول إسرائيل إن حزب الله أطلقه، وهو ما نفاه الحزب لاحقاً، ليبني على هذا الحدث سردية تقوم على فقدان الإحساس بالأمان ويقدم طلب الجنسية الإسرائيلية بوصفه خياراً فردياً اضطرارياً، تمليه غريزة الحماية لدى أقلية دينية تعيش في منطقة حدودية شديدة الحساسية.
ويتوسع التقرير لاحقاً في ربط هذا الشعور بالأمان بما يصفه من انتهاكات تعرض لها دروز في السويداء وجرمانا وصحنايا بريف دمشق، محملاً قوات الأمن التابعة للحكومة السورية الانتقالية ومقاتلي عشائر سنية مسؤولية تلك الأحداث، في صياغة تضع أداء دمشق الأمني في قلب التفسير.
سردية الخوف
وبهذا البناء، ينتقل التقرير إلى مستوى تحليلي يربط بين الخوف وسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وتبدل علاقة الجولان بسوريا مستدعياً في السياق ذاته تعهدات إسرائيلية بحماية الدروز، وضربات إسرائيلية في محيط دمشق لمنع تقدم قوات باتجاه السويداء، ثم ينتهي إلى طرح تساؤلات واسعة حول الهوية والانتماء، وحدود الثبات الوطني في لحظة اضطراب إقليمي.
تغطية ألمانية مشابهة
هذه المقاربة التي تدمج الأمني بالسياسي وتقدم الأمان كمفتاح تفسير شبه وحيد، تكتسب وزناً إضافيا عندما تقارن بتغطية أخرى للموضوع نفسه. فقبل ذلك، كانت "دويتشه فيليه" الألمانية الناطقة بالعربية قد أعدت وثائقياً من الجولان السوري المحتل ضمن برنامج "سوريا لوين"، بعنوان "دروز الجولان بين إسرائيل وهويتهم السورية".
وعاد الوثائقي إلى الجذور التاريخية لرفض التجنيس، من إضراب العام 1981 الذي استمر ستة أشهر احتجاجاً على ضم الجولان، إلى "الوثيقة الوطنية" التي فرضت عقوبات اجتماعية ودينية على من يقبل بالجنسية الإسرائيلية، مؤكداً أن الهوية السورية ظلت لعقود بمثابة عقد اجتماعي غير مكتوب.
لكن الوثائقي نفسه توقف عند تآكل هذا العقد تدريجياً، نتيجة تراكم طويل من الإحباط والانقسام السياسي بعد العام 2011، ثم الخيبة العميقة التي تلت سقوط النظام، وغموض المستقبل والشعور بأن نضالاً امتد لعقود لم يعد يجد صدى أو اعترافاً.
مساحة فردية لا تحول إجتماعي
وهنا لم يقدم التجنيس كتحول جماعي أو انقلاب في الهوية، بقدر ما هو مساحة فردية بدأت تشق طريقها داخل مجتمع محافظ، مع تراجع القدرة على فرض المقاطعة الاجتماعية وبدء احتواء أشخاص كانوا حتى وقت قريب معزولين بسبب حصولهم على الجنسية الإسرائيلية.
هذا الفرق في الزاوية ينعكس أيضاً على قراءة الأرقام، فتقرير "بي بي سي" أشار إلى أن عدد المتقدمين للجنسية الإسرائيلية في الجولان خلال العام 2025 بلغ 2540 شخصاً، أي نحو خمسة أضعاف الرقم المسجل في العام السابق، وهي أرقام ترد في التقرير بوصفها مؤشراً على تسارع التحول. في المقابل، تظهر تحقيقات إعلامية استقصائية إسرائيلية، استناداً إلى بيانات رسمية من "هيئة السكان والهجرة"، صورة أكثر تدرجاً، إذ تشير إلى أن عدد حاملي الجنسية الإسرائيلية من دروز الجولان يبلغ نحو ستة آلاف شخص، من أصل أكثر من 29 ألفاً، أي ما يزيد قليلاً على 20 في المئة من المجتمع، في حين ما تزال الغالبية تحمل صفة مقيم دائم وترفض التجنيس.
كما تظهر البيانات نفسها أن طلبات التجنيس شهدت ارتفاعا ملحوظاً بعد العام 2021، لكنها جاءت على شكل مسار تصاعدي متدرج، لا قفزة مفاجئة مرتبطة بعام واحد فقط. هذه الفجوة بين الأرقام، لا تنفي وجود تحول لكنها تفرض قدرا أعلى من الحذر في الاستنتاج وتعيد النقاش من "انقلاب واسع" إلى تحول محدود لكنه ذو دلالة.
نبرة مستجدة
وعلى مستوى الخطاب والطرح، يفتح تقرير "بي بي سي" سؤالاً أوسع حول نبرة التغطية البريطانية للحكومة السورية الانتقالية، حيث تبدو اللغة أكثر حدة من تغطيات سابقة لجهة تحميل دمشق مسؤولية غير مباشرة عن شعور الأقليات بعدم الأمان، وربط ذلك بقرارات حساسة مثل الجنسية والانخراط في مؤسسات الدولة الإسرائيلية. غير أن هذا الخطاب الإعلامي عند وضعه في سياق السياسة البريطانية الرسمية، يظهر كجزء من مسار مزدوج لا كتحول أحادي.
ففي العام 2025 اتجهت لندن إلى تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية على سوريا، وناقش البرلمان البريطاني تعديلات هدفت إلى دعم التعافي الاقتصادي، كما اتخذت الحكومة خطوات سياسية لفتح قنوات تعامل مع السلطة الجديدة، بينها رفع بعض القيود القانونية والتصنيفات. وفي الوقت نفسه، أبقت بريطانيا، كما دول غربية أخرى ملف الحقوق والأقليات والاستقرار الداخلي معياراً مركزياً في تقييمها لأداء الحكومة الانتقالية، وهو ما يفسر حدة بعض التغطيات من دون أن يعني بالضرورة تغيراً شاملاً في الموقف.
