منذ وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالته المباشرة إلى المحتجين الإيرانيين قائلاً أن "المساعدة في الطريق"، دخل المشهد الإقليمي مرحلة جديدة من التكهنات، حيث أثارت تصريحاته موجة واسعة من التحليلات في الصحافة الأميركية والمراكز البحثية، وتحولت إلى محور نقاش مفتوح حول طبيعة هذه المساعدة المقصودة، وما إذا كانت واشنطن تفكر فعلاً بخطوة نوعية تتجاوز البيانات السياسية ولغة التهديد التقليدية، التي كانت تقرأ في محطات سابقة ضمن سياق الضغط السياسي، من دون أن تترجم إلى تحرك ميداني أو تغيير فعلي في قواعد التعامل مع إيران، في الفترة الزمنية الممتدة بعد الهجمات الأميركية العام الماضي على المنشآت النووية الإيرانية.
وتشير التحليلات إلى أن ترامب اطلع خلال الأيام الأخيرة على حزمة واسعة من الخيارات تشمل إجراءات عسكرية وسيبرانية ونفسية، من بينها مسارات تهدف إلى تعطيل منظومات القيادة والسيطرة داخل إيران، إضافة إلى التأثير على الإعلام الرسمي الذي يعتمد عليه النظام في تثبيت روايته الداخلية، بالتزامن مع لجوء السلطات الإيرانية إلى إجراءات مشددة لحجب الإنترنت وتشويش الاتصالات ومحاولة عرقلة أي أنظمة اتصال بديلة، في محاولة لعزل المحتجين عن العالم، بينما تبحث فيه واشنطن عن وسائل تضمن استمرار وصول المعلومات وتبادلها داخل البلاد.
واتجهت التحليلات الأميركية والغربية إلى إبراز "الخيارات غير الحركية"، وهي أدوات ضغط لا تعتمد على القوة التقليدية، لكنها تستهدف البنية الداخلية للنظام. وتشمل سيناريوهات تتعلق بعمليات سيبرانية قد تربك قدرات الأمن الداخلي وتؤثر في جاهزية الأجهزة المعنية بالسيطرة الميدانية، إضافة إلى خطوات تهدف إلى تجاوز منظومات الحجب وإعادة تدفق الاتصالات للمحتجين، أو تحركات إعلامية ونفسية تؤثر في قدرة النظام على التحكم بسرديته.
كما طرحت فرضية استهداف أجهزة الأمن الداخلي وشبكات التنسيق بين الحرس الثوري وقوات الأمن والشرطة، باعتبارها من أكثر مفاصل النظام حساسية. وبحسب التقديرات، فإن أي خلل في البنية الاتصالية ربما ينعكس مباشرة على فاعلية الاستجابة الأمنية ويخلق مساحة من الارتباك في مواجهة الاحتجاجات.
وتحظى بنية الرقابة على الإنترنت باهتمام متزايد، باعتبارها أحد أهم أدوات السيطرة الرقمية التي يعتمد عليها النظام، مع احتمال استهدافها لتعطيل قدرتها على التحكم بحركة المعلومات أو تجاوزها عبر تقنيات بديلة تتيح تدفقاً أوسع للاتصال.
ويشمل النقاش أيضاً احتمال توجيه ضربات سيبرانية نحو المنظومات الإعلامية الرسمية، سواء عبر تعطيل مواقع محددة أو إضعاف قدرتها على بث الرسائل الموحدة في لحظات الاضطراب. وينظر إلى هذا النوع من الاستهداف ضمن إطار "الحرب المعلوماتية"، التي تضع الرواية الرسمية للنظام تحت الضغط من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
إلى ذلك، ظهرت تقديرات تتعلق بالبنى الاقتصادية، خصوصاً قطاعات النفط والموانئ والقطاع المالي، مع الإشارة إلى أن التعامل مع هذه المجالات يتم بحذر شديد بسبب انعكاساتها المحتملة على الواقع المعيشي للمدنيين، وهو ما تحاول واشنطن تجنبه في المرحلة الحالية.
وتبقى الفرضية الأكثر حساسية في النقاش الغربي هي احتمال استهداف أنظمة عسكرية عالية الأهمية، مثل الدفاع الجوي وبعض المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي، وهي خطوة تعتبر الحد الأعلى في أي تصعيد محتمل، لأنها ربما تفسر كعمل عدائي مباشر وتفتح الباب أمام مستوى مرتفع من التوتر يصعب احتواؤه.
ولا تعكس هذه السيناريوهات قراراً أميركياً نهائياً، لكنها تظهر طبيعة النقاش الدائر داخل واشنطن بشأن كيفية دعم المحتجين الإيرانيين، وحدود استخدام الأدوات السيبرانية في مواجهة نظام يتمتع بهيكل أمني وإعلامي شديد المركزية.
