...أو الجسد الكهنوتي منزوع الإيقاع
لا أحب الكهنة. كنت في صغري، أخافهم. ترعبني الرائحة التي يبعثرها هذا الرداء الذي يخفي غولاً تحته. أو شبحاً.
أنا لا أحب الكهنة. أستعملها في صيغة المضارع الحاضر لأننا نكبر وكُرهنا. كبرت وأنا أحاول ألا ألتقي بهم. أستذكر أقوال جدتي كلما صادفت كاهناً في الطريق: "هذا نذير شؤم. عليك بحكّ أسفل ظهرك كي تطردي الفأل السيء!"
لكني أحببت غييرمي. ربما لأنه برتغالي، وأنا مولعة بالبرتغال. لربما لأنه موسيقي. أو ربما لأنه يرتدي تي شيرت، ويضع سماعات كبيرة، ويقفز مع الإيقاع. لعلّي أيضاً أحببته، لأنه أربكنا. أربك كنيستنا. أربك المؤمنين منا، الخائفين على أولادهم من فجور كاهن ينتشي إيقاعاً، ويعيد الصلاة إلى ما يجب عليها أن تكون: حالة انفصالية توحيدية تتجلى في أنها تولد في المجموعة، وتتراقص في ملهى ليلي، لا أمام مذبح.
رجل خمسيني، باسم دائماً، يحمل الصليب في يدٍ، وفي الأخرى، الإيقاع. هو غييرمي بايشوتو Guilherme Peixoto، المعروف عالميًا باسم "الأب غييرمي" Padre Guilherme، المتحدر من قرية صغيرة شمالي البرتغال (غيمارايسGuimarães ).
ولد غييرمي العام 1974، وترسّم ككاهن في الكنيسة الكاثوليكية العام 1999، ليصبح في ما بعد خادمًا في أبرشية براغا Braga، حيث خدم أيضًا كراعٍ عسكري في صفوف الجيش البرتغالي، قبل أن تنقلب حياته نحو عالم الموسيقى الإلكترونية.
وفي هذه المدينة الشمالية الهادئة، المشبعة بالتاريخ، والتي تُقدَّم في البرتغال بوصفها "مهد البلاد"، حيث الكنيسة جزء من النسيج اليومي لا من الاستعراض، نشأ غييرمي، وولد معه مشروعه: رجُل دين لا يكتفي بالوعظ خلف المنبر، بل ينزل إلى حيث الناس، وإلى حيث إيقاع الحياة اليومية والموسيقى نفسها، حيث الضجيج والحركة، والألم والحب. والتيكنو الصاخب.
كانت الموسيقى بالنسبة إلى غييرمي، وسيلة لجمع التبرعات لكنيسة أبرشيته، ثم تطوّرت لتصبح دعوة نحو التواصل مع الشباب، لغة تتجاوز كلمات المنابر لتصل مباشرة إلى الأجساد والقلوب.
قبل أن يصل لبنان، كان قد أصبح ظاهرة، لا بسبب غرابة ما يفعل، بل بسبب بساطته وطريقته في إيصال "روح الرب" لجيل قيل بأنه يبتعد عن الإيمان. فهو كاهن يرى في الموسيقى لغة، وفي الإيقاع وسيلة اقتراب، وفي الجسد مساحة لقاء لا يجب نفيها.
حين أُعلن قدوم الأب غييرمي إلى لبنان لإحياء قدّاس، ثم حفلة موسيقي "تيكنو"، لم يكن الحدث في حد ذاته هو الصادم. بل ردود الأفعال. فجأة، امتلأت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بخطاب "الشيطنة": موسيقى شيطانية، طقوس منحرفة، علامات الساعة، خطر على أولادنا وإيماننا. كأن كل ما لا نفهمه، أو لا يشبه ما اعتدنا عليه، لا بد أن يُنسب إلى الشر. كأن الإيقاع، حين يخرج عن السيطرة، يتحوّل تهديدًا.
ولم تقتصر الاعتراضات على النقاشات الدينية أو الحملات في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد تقدّم عدد من المعترضين بطلب قضائي مستعجل لاستصدار قرار يمنع إقامة الحفلة الموسيقية. غير أنّ قاضي الأمور المستعجلة في بيروت ردّ الطلب، ما أتاح إقامة الحفلة كما كان مقررًا.
ماذا لو كانت المشكلة أعمق من الموسيقى؟ ماذا لو كان الخوف الحقيقي هو من الجسد؟
الجسد الكهنوتي، تحديدًا، مُطالَب تاريخيًا بأن يكون منزوع الإيقاع. أن يكون جسدًا واقفًا، ثابتًا، محسوب الحركات، مضبوط النبرة، لا يخطئ الميزان. جسد يُمثّل "الهيبة" أكثر مما يُمثّل التجربة. وحين يهتز هذا الجسد، حين يرقص، حين يُغمض عينيه على إيقاع متكرّر، حين يدخل نوادي ليلية، حين يسامر السكارى والمنتشين، يحدث الخلل.
التيكنو، لمن لا يعرفه إلا من الصور النمطية التي تحيط به، ليس موسيقى "كلمات" بل موسيقى تكرار، إيقاع يعود ويعود، يُفرغ الرأس، يُسكت الضجيج الداخلي، ويقود الجسد إلى حالة تركيز قصوى.
أليست هذه، في جوهرها، حالة ترانس؟ أليست الصلاة، في أشكال كثيرة منها، من الترتيل، الى الذِكر، إلى الترداد، حالة ترانس أيضًا؟
أحد أصدقائي، وهو موسيقي ولاهوتي، حضر حفلة الأب غييرمي في بيروت، السبت الفائت.
وقد وصف الحفلة، التي عجّت بالناس من كل حدب وصوب، بالاستثنائية. فهي لم تكن حدثاً موسيقياً، بل مساحة أمان يندر وجودها. "إن الإحساس الأول لم يكن الصخب، بل الدفء. دفء جماعي، كأن الإيقاع كان يُمسك بالجميع من اليد نفسها"، أخبرني مبتسماً. لم يشعر للحظة أنّه في مكان خطِر، أو مشحون، أو فوضوي، بل شعر بنوع من الطمأنينة الهادئة، من الانتباه المتبادل بين الأجساد.
الموسيقى، كما يروي، لم تكن هجومية ولا استعراضية. كانت مبنية على تكرار ذكي، إيقاع يعود ويعود، يعلو ثم يهدأ، كأنه تنفّس جماعي. شيئًا فشيئًا، خفّ الضجيج الداخلي. لم يعد هناك "أنا" منفصلة عن الآخرين، بل جسد يتحرّك داخل كتلة بشرية تتشارك الإيقاع نفسه. لا كلمات تُفرض، ولا معنى يُلقَّن. فقط إحساس واضح بأنك لست وحدك.
الشباب، كما لاحظ، لم يكونوا "هائجين" كما يشاع عن جمهور حفلات التيكنو، بل كانوا حاضرين بالكامل، مغروسين غرساً في اللحظة: عيون مغمضة أحيانًا، أذرع مرفوعة، ابتسامات عريضة، ودموع تظهر فجأة بلا سبب واضح. كلما ظهرت في الشاشات كلمات عن السلام، عن المحبة، عن القبول، كان التصفيق يعلو. ليس تصفيق إعجاب، بل اعتراف. كأن هذه الكلمات، البسيطة والمباشرة، وجدت أخيرًا مكانًا تستقر فيه.
يقول صديقي إن أجمل ما حملته هذه التجربة كان غياب أي شعور بالإقصاء. لا أحد يسأل من أنت، بماذا تؤمن، او بمن، كيف تُصلّي، أو إن كنت تُصلّي أصلًا. الجميع مرحّب به، ما دام حاضرًا باحترامه، بجسده، بإيقاعه. الموسيقى لم تكن دعوة للهروب من الواقع، بل للغوص فيه بطريقة أقل قسوة. لحظة جماعية نادرة، يشعر فيها المرء بأن إنسانيته ليست موضع شك.
وحين عُرض مقطع مصوّر للبابا فرنسيس، قبل ختام الحفلة، لم يكن ذلك "إقحامًا دينيًا" كما ادّعى البعض. كان امتدادًا طبيعيًا للحالة. الجملة الأخيرة التي ظهرت في الفيديو: "كل شيء في الحياة له ثمن، إلا محبة يسوع"، لم تُستقبل كعظة، بل كاعتراف. عندها، انفجر المكان بالهتاف، ليس لأن المتحدّث هو البابا الراحل، بل لأن الجملة لامست شعورًا كان حاضرًا أصلًا: شعور القبول غير المشروط. يقول صديقي إن تلك اللحظة أبكته، لا من التأثّر الديني فحسب، بل من الجمال الخالص. من فكرة أن مئات الشباب، في بلد مثقل بالخوف والانقسامات، اختبروا معًا إحساسًا صافيًا بالمحبة.
هذه ليست تجربة يمكن قياسها أو ضبطها. لكنها تجربة روحية بامتياز.
وربما ما يزعج البعض فيها ليس الموسيقى، ولا الإضاءة، ولا الرقص، ولا حتى التخوف من ترويج المخدرات، بل كل هذا الجمال الذي يهرب من القالب، يهرب من الـ"دوغما"، وينتشي بين ذراعي غيمة قطنية، تشبه الله. جمال لا يطلب إذنًا من أحد، ولقاء إلهي تفلّت من الكهنوت.
في علاقتها بالموسيقى، لا تختبر الكنيسة حدود الفن فحسب، بل تختبر صورتها عن نفسها. فحين يصبح الإيقاع خطرًا، والجسد تهديدًا، والفرح شبهة، يتحوّل الإيمان إلى نظام ضبط، لا إلى علاقة. الكاهن، عندها، لا يعود شبيهًا بالمسيح، بل بتمثال من رخام: صامت، ثابت، منزوع النبض، جثة هامدة لكل مؤمن، تتعفّن.
الموسيقى ليست نقيض الصلاة بل إحدى لغاتها الممكنة. وحين تُشبه الموسيقى الصلاة، نرتبك، لا منها، بل من خوفنا من إيمانٍ يتحرّك، يرقص، ويتنفّس، ويلعب التيكنو.
