أحاول جاهدة البحث عن معنىً للعيش 15 عاماً في هذا الكابوس السوري الذي لا ينتهي، معنىً لكل هذا الموت، وكل هذا الظلم والفقد، والذاكرة المشوهة، والأحلام الميتة، والصمت. أفكر في أمنياتي البسيطة، ورغبتي القديمة الساذجة في حياة هادئة، في الوقت الذي مضى وأنا أراوح مكاني، وأدرك فجأة أنه عمري.
كيف لي أن أجد نفسي أو أن أعثر على جزء بسيط منها وسط كل هذا الخراب؟ حتى الكلام لم يعد يُصلح شيئاً، ولم يعد أسلوباً للنجاة، بل صار أداة لتدمير نفسك ومن يحيط بك.
ربما كان عليّ، مع أول قطرة دم سُفكت أن أتخلى عن أسلوبي الهش القديم في التعاطي مع العالم، الأسلوب الذي حافظت عليه ثلاثين عاماً، منذ كنت طفلة في السادسة من عمرها، تكاد أسئلتها التي لا تنتهي أن تبتلعها، وتحولها إلى كائن منغمس في كل ما يحيطه حدّ الغرق، لكنه يحاول التملص من انتمائه لكل شيء، بادعائه الانتماء
إلى شيء واحد فقط.
يملأ صوت درويش المكان، أعيد العبارة ذاتها مرات ومرات: "ولنا أحلامنا الصغرى كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة". أفكر في السوريين جميعاً، أحلامنا الصغرى التي دفنّاها معاً، كلّ على طريقته، أكاد أجزم أننا جميعاً مشتاقون لنقاش حول طريقة طبخ الفاصولياء، مع الثوم أو البصل؟ وأننا نشعر بالبؤس ونحن نراقب الحياة التي تجري في مكان آخر وكأنها لا تخصنا، نحسد كل من يعيش بلا ذاكرة مليئة بصور الرفاق والأبناء والآباء الذي ماتوا أو ودعناهم في المطارات وهم يركضون نحو أحلامهم الكبرى، وحتى لا يقتلهم الحنين، يدسون ذكرياتهم في مرطبانات الكبيس والمكدوس ورائحة الزيت والزعتر.
منذ زمن طويل فقدنا كل ما يجعلنا أقرب للأحياء من الأموات، فحتى أحاديثنا مع أصدقائنا وعائلاتنا تحولت إلى جلسات للعلاج النفسي.
نتناوب أنا وصديقتي البعيدة على دور الجدار الذي تستند الأخرى عليه كي لا تقع، فالسقوط ترف لا يقدّره كثيرون ممن يشاركوننا هذا الكوكب المقسم بالتأكيد إلى طبقتين؛ الأولى في القاع، والأخرى فوقه، لا تراه ولا تحاول رؤيته. كان دور صديقتي هذه المرة أن تكون هي الجدار، فانتهى الحديث بنصائح بتنا نحفظها عن ظهر قلب، نعيدها على بعضنا البعض، لكننا ندرك جيداً في أعماقنا أنها غير صالحة للاستهلاك السوري بالتحديد، فالحفر التي صنعها الوطن في قلوبنا لن تردم حتماً بالقراءة وممارسة الرياضة وسماع الموسيقى والتغذية السليمة وشراء الحقائب.
تعلمك الحياة في الظلام لسنين طويلة شيئاً واحداً فقط، لكنه أكثر نفعاً من أي خبرة أخرى قد تكتسبها بالأمل. الحياة فرصة جيدة للعيش، لكن ليس لنا، نحن المصطفّين عمراً في طوابير، لنحصّل خبزاً لنأكل، وماء لنشرب، وضوءاً شحيحاً لا لنرى، ولكن فقط حتى لا نسقط سقوطاً جماعياً يزلزل أرضنا.
لكن صديقتي، وفي سبيل تأكيد محاولتها مساعدتي لالتقاط معنى ما غير التحديق بالفراغ، أرسلت لي كتاب "الإنسان يبحث عن المعنى"، والحقيقة أن الصفحة التي وصلتُها هي التي دفعتني لكتابة هذه السطور. فأن يكون التفكير في الحب هو خلاص المساجين الوحيد في أكثر الظروف مأسوية، هذه فكرة تستحق الوقوف عندها..للدقة: لم يكن الحب بل ذاكرتهم عن الحب.
أغلقت الكتاب وحاولت معالجة الفكرة، لكنها قادتني إلى روان، الفتاة التي تعرضت للاغتصاب وهي في طريقها إلى العمل، اغتصاب جماعي في وضح النهار. فكرت في روان مطولاً، حزنها وبؤسها والألم الذي أجهز بالتأكيد على ذاكرتها وعلى محاولاتها ومحاولاتنا النجاة، لكني عجزت عن كتابة أي حرف عنها حتى الآن، ثم تذكرت ندى داؤود الصبية الجميلة التي ابتلعتها المجارير يوماً في بلد يضيع فيه كلّ شيء إلا الكراسي وأصحابها.
أقلب الصفحات الافتراضية، ومرة أخرى يجهز كابوس التعليقات على أي لحظة صفاء ذهني قد توصلني لأي نتيجة مع ذاتي. إلى متى كل هذا؟ يبدو السؤال سخيفاً ونحن نكرره يومياً داخلنا، وأحياناً أخرى نحتاج إجابات بسيطة جداً، وليست من النوع الذي يبدأ بـ"وين كنتو"، لأن الحقيقة الصادمة أننا جميعاً لا نعرف بدقة "وين كنا" عندما كان بعضُنا يُقتل أو يُباد أو يُذبح.
لماذا إذن لا ينتهي كل هذا البؤس بأن نفتح عيوننا على القبر الذي نتشاركه جميعاً ونسميه وطناً؟ لماذا لا نعترف بأن الموت أخذ حصته من الجميع، ومن لم يمت ببرميل، مات بقذيفة أو برصاصة طائشة أو في أقبية السجون؟ لنحاول ألا نكون أرقاماً في عيون بعضنا البعض، ألا نكون طوائف ومِللاً وظالمين ومظلومين، مرة واحدة فقط.
منذ أسبوع وأنا أبحث عن رأي واحد تستطيع أن تقوله كسوريّ، من دون أن تغضب جزءاً من رفاقك، أو عائلتك، أو مذهبك، أو قوميتك، وحتى جزءاً من نفسك. أن تكتب جملة واحدة عن وطن واحد وشعب واحد من دون أن تبدو سخيفاً أو غبياً أو رومنسياً حالماً أو جاهلاً في السياسة والتاريخ والفيدراليات وعلم النفس والأيديولوجيات والانتماءات والتدجين وقولبة العقول والخطط الاستعمارية والآفات الدينية وحقوق الإنسان، والأسوأ أن تقولها من دون أن تفوح رائحة الدماء من كل مكان، أن تقولها من دون أن تنغمس أكثر في اكتئابك وخوفك.
ثم جربت أن أدافع عن رأيي أمام نفسي حتى النهاية، حتى صرت وجهاً لوجه أمام وجوه من ماتوا، من ماتوا جميعاً؛ عساكر ومدنيين وثواراً وعشائر وأطفالاً ونساء ورجالاً وأمهات وأحلام وآلات موسيقية وقلوباً وقصص حب. هل هناك شيء في العالم يستحق كل هذا الموت؟ لنأخذ نفساً عميقاً ثم نعترف أننا نحن السوريين جميعاً، لسنا بخير، وأننا اكتفينا، وقد آن الأوان لنواجه أنفسنا بحقيقة واحدة لا تقبل الشك: كلنا خاسر، وكلنا بحاجة إلى علاج طويل كي نستعيد معنى الحياة ونمضي، فربما يكون للحلم بقية.
