أثار قرار قناة "شمس" الكردية الناطقة بالعربية، إلغاء بث مقابلة أجرتها مع الرئيس السوري أحمد الشرع، موجة من ردود الأفعال الغاضبة في مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما من شخصيات سياسية وإعلامية محسوبة على الدائرة القريبة من الحكومة السورية، حيث تركزت المواقف حول اتهام القناة بتجاوز القواعد المهنية وباستغلال اللقاء لأغراض دعائية، وبالتحجج بطبيعة الخطاب لتبرير الامتناع عن البث.
وفي هذا السياق، اعتبر الناطق الإعلامي السابق باسم الحكومة والمقرب منها، محمد الفيصل، أن اختيار القناة الناشئة لإجراء اللقاء جاء انطلاقاً من اهتمام الرئيس بمخاطبة الكرد مباشرة وشرح مقاربته السياسية لهم، واصفاً ما حدث بأنه "سابقة في تاريخ الإعلام"، إذ أتيحت لقناة ناشئة فرصة إجراء لقاء مع رئيس الجمهورية ثم امتنعت عن بثه.
وذهب الفيصل أبعد من ذلك بوصف القناة بأنها "قزم في الإعلام"، معتبراً أن الامتناع عن البث يشكل إهانة للقناة نفسها لا للرئيس، الذي "تتمنى مئات المحطات إجراء لقاء معه"، على حد تعبيره. كما وجه اتهاماً مباشراً لإدارة القناة بأنها لا تعمل لمصلحة الكرد، بل لمصلحة "قنديل"، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني.
وكان مدير "شمس"، الإعلامي إيلي ناكوزي، قد شرح في مقابلة بثتها القناة أمس الثلاثاء: "عندما عدت الى أربيل، عرضت محتوى المقابلة على مسؤولين وزملاء في القناة لإبداء رأيهم، فأجمعوا على إن التصريحات عالية السقف". وتابع: "لا نقبل أن تتحول قناة شمس إلى منبر يثير المزيد من الصدام والتوترات والنعرات، فقناة شمس التي أسسها الرئيس بارزاني هدفها نشر الوعي حول القضية الكردية، وهي تحمل رسالة سلام ومحبة، ولا يجوز لها أن تلعب دوراً في خلق شرخ بين الأكراد والعرب، أو في وحدة الصف الكردي".
من جهته، أعاد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، نشر تدوينة في "إكس" للكاتب السياسي محمد خالد، شددت على أن الرئيس الشرع "لا يحتاج إلى منبر محدد"، وأن جميع المنابر الدولية متاحة له، مؤكداً أن اختياره لقناة "شمس" كان رسالة سياسية تعكس الاعتراف بمكانة الكرد وأن العلاقة معهم تتجاوز إطار التنظيمات. وجاء في المنشور إلى أن الرئيس تحدث بصراحة المتألم عن فرصة تاريخية ضيعها التنظيم، في إشارة "قوات سوريا الديموقراطية"-قسد. التدوينة نفسها أعاد نشرها الباحث المقرب من السلطات في دمشق حسن الدغيم.
في المقابل قدّم الإعلامي موسى العمر مقاربة أقل حدة، واصفاً تبرير مدير القناة، إيلي ناكوزي، بعدم المهنية، مع إبداء تفهمه للضغوط التي تعرّض لها. وكشف العمر نقلاً عن مصادره أن نسخة من اللقاء موجودة لدى رئاسة الجمهورية ومترجمة إلى اللغة الكردية، ويمكن بثها عبر "الإخبارية السورية" أو منصات أخرى. لكنه انتقد في الوقت نفسه ما قاله ناكوزي عن توقعه خطاباً "رومانسياً"، معتبراً أن الرئيس "لن يأتي ويتحدث على كيف القناة" بوصفه رئيساً لملايين السوريين، وأن الصرامة في التعامل مع "التنظيمات الخارجة عن القانون بما فيها حزب العمال الكردستاني والجناح المتطرف في قسد"، جزء من موقعه السياسي.
كما فند العمر كل التبريريات التي قدمها مدير قناة "شمس" معتبراً أنها حجج واهية ومليئة بالـ"تدليس".
واتسع السجال ليشمل إعلاميين ومدونين اتهموا القناة باستغلال الإعلان عن اللقاء ضمن حملة ترويجية هدفها تحقيق انتشار وشهرة على حساب الرئيس الشرع، معتبرين أن التراجع عن البث بعد الضجة يعكس توظيفاً سياسياً وإعلانياً للحدث أكثر مما يعكس قراراً تحريرياً.
وبينما تتقاطع غالبية هذه المواقف عند نقطة تحميل القناة مسؤولية قرار الإلغاء، يكشف السجال الأوسع صراع سرديات يتجاوز سؤال المهنية الإعلامية، ليطاول طبيعة الخطاب السياسي الموجه للكرد، وحدود الحوار مع "قسد"، ودور الإعلام في مرحلة انتقالية ما زالت مشحونة بالانقسامات والرهانات.
وكان ناكوزي قد أشار إلى أن القناة أبدت استعدادها لإجراء المقابلة بهدف المساهمة في تهدئة الأوضاع لا تأزيمها، وأن القناة تعرّضت بعدها لهجوم من مؤيدين ومعارضين على حد سواء، إضافة إلى وجود رأي عام كردي في أربيل مُعارض للقاء. وأوضح أن "القناة كانت تهدف إلى التهدئة والسلام والتقارب، إلا أنه منذ الدقائق الأولى للحوار، تبيّن أن الخطاب كان عالي السقف تجاه قسد"، وازداد حدّة مع تقدّم الأسئلة، وأضاف: "حينها تساءلنا أين هي رسالة التهدئة التي من المفترض أن تظهر في الحوار". وتابع: "تصاعد الجو، وكلما أردت أن أحظى منه (الشرع) برسالة تهدئة، كان يزيد الهجوم على قسد.. حتى أنني في أحد الأسئلة اعتبرت أن ما قاله الرئيس الشرع بمثابة إعلان حرب".
وكتب المحلل السياسي غسان إبراهيم، مداخلة مطولة اعتبر فيها أن ما جرى يعكس خشية الإعلام الكردي من "صوت الحقيقة"، مؤكداً أن الرئيس لا يحتاج إلى قناة ناشئة، وأن اختياره لها جاء تأكيداً على احترامه للكرد ومظلوميتهم، وعلى استعداده لمخاطبتهم مباشرة.
ورأى إبراهيم أن توصيف حديث الرئيس بأنه "إعلان حرب وتأزيم للمشهد" ينطوي على مبالغة تفتقر إلى الدقة، مشدداً على أن حجب اللقاء يشكل تجاوزاً مهنياً، إذ إن آراء الضيف لا تمثل المؤسسة الإعلامية، وكان الأجدر بالقناة استضافة طرف آخر للرد، لا مصادرة المقابلة. وخلص إلى أن ما جرى يوحي باتجاه أحادي يرفض الاعتراف بحق الآخر في التعبير، محمّلاً الكرد مسؤولية تاريخية في التقاط اليد الممدودة للحوار.
