باصات لبنان في "خرائط غوغل"...كيف نستخدمها؟

فاطمة البسامالثلاثاء 2026/01/13
Image-1765878644
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة وُصفت بالأولى من نوعها في لبنان، أعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل، إتاحة خدمة Google Transit عبر خرائط غوغل، في محاولة لإدخال قطاع النقل العام إلى مسار التنظيم الرقمي، بعد عقود من الفوضى والاعتماد على الاجتهاد الفردي والمعرفة الشفوية. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للنقاش حول المعوّقات البنيوية التي قد تحدّ من فعاليتها، أو تفرغها من مضمونها إذا لم تُعالَج جذرياً.

 

وجاء في بيان الوزارة، المنشور في "إكس"، أن تفعيل خدمة Google Transit  يشكّل "خطوة نوعية نحو تنظيم التنقّل اليومي وتسهيل استخدام المواصلات العامة"، إذ تتيح للمستخدمين تخطيط رحلاتهم عبر وسائل النقل المشترك، الاطلاع على الخطوط والمسارات، معرفة أوقات الوصول والانطلاق التقديرية، والحصول على إرشادات دقيقة خطوة بخطوة. وعملياً، يعني ذلك إدراج خطوط النقل العام الرسمية في خرائط غوغل، بما يسمح للمستخدم تحديد مساره مسبقاً بدلاً من الارتهان للسؤال أو التجربة أو الانتظار المفتوح. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي الخريطة الرقمية لتنظيم قطاع يعاني أصلًا أزمات هيكلية؟

 

"للمرة الأولى في تاريخ لبنان"

في حديثه لـ"المدن"، يوضح المدير العام للمؤسسة العامة للنقل المشترك وسكك الحديد، زياد شيّا، أن المشروع أُطلق من قبل المؤسسة العامة للنقل المشترك، وأصبح اليوم متاحاً في  Google Maps. ويشرح أن المستخدم يستطيع رؤية إشارات محطات الباصات، معرفة المسافة إلى أقرب محطة، الاطلاع على المسار، ومعرفة توقيت الوصول التقريبي. ويشير شيّا إلى أن هذه الخدمة تُعتمد "للمرة الأولى في تاريخ لبنان، كما في الدول التي تأخذ النقل العام بجدية"، لافتاً إلى أن جميع خطوط المؤسسة باتت مدرجة في التطبيق، مع تحديد المحطات بالأرقام، وإظهار مواعيد وصول الباصات.

 

Image-1768319100

شبكة محدودة بإمكانات محدودة

وبحسب شيّا، تعمل المؤسسة حالياً على نحو 11 خطاً، تربط بيروت بمناطق عديدة، من بينها بيروت – طرابلس، بيروت – صور، بيروت – شتورا، إضافة إلى خمسة خطوط داخل بيروت. كما يجري العمل على تشغيل نحو 30 باصاً إضافياً. لكن هذا الرقم، مقارنة بحجم الطلب وحاجات السكان، يسلّط الضوء على أبرز المعضلات: ضآلة شبكة النقل العام الرسمية. فعدد الخطوط والباصات ما زال محدوداً، ولا يغطي معظم المناطق اللبنانية، ما يجعل الاستفادة من Google Transit محصورة في جغرافيا ضيقة، ما يكرّس الفجوة بين المركز والأطراف.

 

معوّق البيانات: عندما لا تعكس الخريطة الواقع

من أبرز التحديات التي يعترف بها شيّا نفسه، مسألة دقة المواقيت. فضعف شبكة الإنترنت، والازدحام المروري الخانق، وسلوكيات السير غير المنضبطة، كلها عوامل قد تؤدي إلى تأخير الباصات مقارنة بالوقت الظاهر في التطبيق. وهنا تكمن معضلة أساسية: Google Transit  تعتمد على بيانات يجب تحديثها باستمرار. وفي بلد يعاني ضعف التنسيق بين الإدارات، وغياب أنظمة مراقبة فعالة لحركة النقل، يصبح خطر فقدان المصداقية عاليًا. فإذا تكرّر عدم تطابق التوقيت الرقمي مع الواقع، يفقد المستخدم ثقته في الخدمة، ويعود إلى الأساليب التقليدية.

 

النقل العام بين الرسمي والواقع

إشكالية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في ازدواجية النقل العام في لبنان. فإلى جانب الشبكة الرسمية المحدودة، يهيمن النقل غير المنظم (الفانات والباصات الخاصة) على الجزء الأكبر من حركة التنقّل اليومية. هذا القطاع، غير المدرج في  Google Transit، يخلق واقعاً موازياً لا تعكسه الخريطة الرقمية، ما يجعل صورة النقل العام ناقصة وغير مكتملة. وبالتالي، فإن أي خدمة رقمية لا تُدمَج ضمن رؤية شاملة لتنظيم كل أشكال النقل المشترك، ستبقى أداة جزئية، عاجزة عن إحداث تحول حقيقي في سلوك التنقّل.

 

إلى جانب المعوّقات التقنية والتنظيمية، يبرز العامل الأمني. إذ يشير شيّا إلى تعديات متكررة على باصات النقل المشترك في بعض المناطق، داعياً القوى الأمنية إلى القيام بدورها في حماية هذا القطاع من "هيمنة التعديات". هذه التعديات لا تهدد سلامة السائقين والركاب فحسب، بل تضرب استمرارية الخدمة نفسها. فباص لا يستطيع الالتزام بخطه أو توقيته بسبب الضغوط أو الاعتداءات، لن يكون قادرًا على احترام أي جدول رقمي، مهما بلغت دقته.

 

الفجوة الرقمية… مَن يستفيد فعلًا؟

من جهة أخرى، يطرح اعتماد Google Transit سؤال العدالة الرقمية. فجزء غير قليل من مستخدمي النقل العام هم من كبار السن، أو من الفئات ذات الدخل المحدود، أو من غير المعتادين على استخدام التطبيقات الذكية. في ظل ضعف الثقافة الرقمية، وارتفاع كلفة الإنترنت والهواتف الذكية، قد تتحول الخدمة إلى أداة يستفيد منها جزء من الناس، فيما يبقى الجزء الأكثر حاجة إليها خارجها.

 

يشرح الخبير في التكنولوجيا والاتصالات، المهندس أيمن حاطوم، لـ"المدن"، أن Google Transit  هي أداة قوية لتنظيم التنقّل، لكنها ليست حلاً سحرياً. فهي تعتمد على بيانات رسمية دقيقة، والتزام فعلي بالمواعيد، وبنية تنظيمية واضحة. ويشير إلى أن التجارب العالمية الناجحة لا تفصل بين التكنولوجيا والسياسات العامة، بل تعتبر التطبيقات الرقمية انعكاسًا لنظام نقل منظم أصلاً. أما في الحالة اللبنانية، فالتكنولوجيا قد تكشف الخلل أكثر مما تخفيه.

 

إدخال Google Transit إلى لبنان خطوة متقدمة على المستوى الرمزي والتقني، لكنها قد تصطدم بواقع نقل عام مأزوم: شبكة محدودة، ازدواجية في القطاع، ضعف في البيانات، تعديات أمنية، وفجوة رقمية واضحة. من دون معالجة هذه المعوّقات، قد تبقى الخدمة مجرد واجهة رقمية جميلة لقطاع يعاني في العمق. أما إذا أُدرجت ضمن خطة شاملة لإعادة بناء النقل العام، فقد تشكّل بداية انتقال حقيقي من العشوائية إلى التنظيم.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث