أعادت إسرائيل فتح ملف أحد مؤسسي الذراع العسكرية لحركة "حماس"، يحيى عياش، الذي يوصف بمهندس نهج العمليات التفجيرية في العمق الإسرائيلي، وذلك بمناسبة مرور 30 عاما على اغتياله بواسطة تفجير جهاز هاتف نقّال لحظة استخدامه؛ وكأن تل أبيب وجدت في الذكرى مناسبة لتسويق الاغتيالات ك"أنجع وسيلة للأمن الإسرائيلي".
"الشاباك" يروي تفاصيل الاغتيال
وكان هذا جليّاً في تقرير وثائقي بثته قناة "كان" العبرية، وأعده الصحافي الإسرائيلي يوفال أغاسي، قابل فيه رئيس "الشاباك" السابق وضابطاً آخر، بصفتهما انخرطا في عملية اغتيال يحيى عياش. والحال أن بث تقرير عن مسألة أمنية حساسة، يتحدث فيه شخصيات أمنية، لا يتم إلا بعد موافقة الرقابة الإسرائيلية.
وبدأ معد التقرير العبري ومدته 8 دقائق، بالإشارة إلى أنه رغم مرور 3 عقود على اغتيال المهندس يحيى عياش الذي تتهمه إسرائيل بأنه كان مسؤولاً عن تنفيذ موجة عمليات تفجيرية، فإن تفاصيل كثيرة للعملية، "ما زالت سرية وملفاتها مخفية بالأدراج". ونوّه معد التقرير إلى أن يحيى عياش، المولود في قرية رافات بسلفيت، ودرس الهندسة الكهربائية، حظي بلقب "المهندس"؛ لـ"موهبته الاستثنائية" في صنع الشحنات الناسفة، إلى جانب قدرته القيادية ومشاركته في تأسيس الجهاز العسكري لـ"حماس".
تبرير فكرة الاغتيال!
وفي تقرير "كان"، استهل رئيس "الشاباك" سابقاً، آفي ديختر، حديثه، محاولاً تبرير اغتيال عيّاش بتفجير هاتف نقال، على قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث ادعى أنه حتى عام 1993، لم تقع عمليات تفجيرية في العمق الإسرائيلي، مصدرها الضفة وغزة، لكنّ عيّاش كان الشخص الذي خلق العمليات التفجيرية "من لا شيء"، حسب تعبير ديختر الذي قال إن هذا النوع من العمليات، بدأ بعد اتفاق أوسلو ، وأسفر عن مقتل وإصابة عشرات الإسرائيليين.
وأضاف ديختر لتقرير "كان"، أن الأمن الإسرائيلي أدرك أن شخصاً كان يقف وراء ذلك، وأنه "يجب الوصول إليه بأسرع وقت ممكن". وهنا، كشف ديختر أن "معلومة ذهبية" وصلت الشاباك عام 1995، بانتقال عياش من الضفة إلى غزة، وكانت الأخيرة حينها قد أصبحت تحت سيطرة السلطة الفلسطينية الوليدة.
وقال الرئيس السابق للشاباك إن السلطة لم تُبدِ استعداداً للعثور على عياش، وكان على الأمن الإسرائيلي أن يبحث عن "إبرة وسط كومة من القش"، على حد تعبيره.. وأضاف أن الشاباك احتاج إلى "4 أشهر" حتى رصد أول تواصل بين ناشط من "حماس" ويحيى عياش، زاعماً أن "الصلة بينهما كانت جيدة، وكان عياش يلتقيه ويذهب إلى منزله"، وهي النقطة التي قرر الأمن الإسرائيلي البدء منها، بحسب ديختر.
مَن اقترح فكرة الهاتف المتفجر؟
وكما جاء في رواية ديختر، فإنهم فكروا بدايةً بزرع متفجرات زنة نصف كيلو غراماً، لكنّ مختصاً تكنولوجياً في "الشاباك" أخبرهم أنهم إذا استطاعوا إيصال هاتف نقال إلى يحيى عياش، فإنه بإمكانه جعل الجهاز متفجراً ينهي حياته في اللحظة "التي تقررونها".
وهنا، استعرض الرئيس السابق لـ"الشاباك" أمام الكاميرا، لأول مرة، نوع وشكل جهاز الهاتف الذي تم تفخيخه، ومن ثم إيصاله إلى عياش، لاغتياله عند حلول "ساعة الصفر"، وادعى ضباط سابقون بالشاباك، أن تجنيد العميل الذي أقنع عياش باستخدام الهاتف للتواصل مع والده، وإقرار وسيلة العملية، كان بمثابة طريق طويلة، حيث اقتضى ذلك تفخيخ جهاز الهاتف، والتأكد من وصوله لعيّاش. وبيّن التقرير العبري أن العملية نجحت في النهاية بعد فشلها عدة مرات.
وقال ديختر إن الشاباك أهداه حينما أنهى عمله رئيساً له عام 2005، هاتفاً من نفس الطراز الذي فُخخ واستُخدم لاغتيال عيّاش.
ووفق رواية الشاباك المزعومة، فإن العملية نتاج "نجاحه" في معرفة المحيطين بعيّاش ويثق بهم، إذ تركز البحث عليهم، معتبرا أن "فن الإقناع وبناء الثقة"، هو محور بناء العميل الذي بُذلت عليه جهود كل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وليس فقط الشاباك.
آلية التفجير
وروى الرئيس السابق للشاباك، ما حصل يوم الاغتيال، قائلًا "إننا تجهزنا صباح الجمعة 5 كانون/الثاني يناير 1996، وأدركنا أن عيّاش يتعاون ويأتي إلى العميل ويتبادل معه الحديث، وتأكدنا من عدم شكوكه بأي شيء، وأعطاه العميل جهاز الهاتف (البلفون)، واتصل عياش بوالده وتحدثا، حتى "نضجت الظروف لتشغيل شحنة المتفجرات"، بعد تأكد الشاباك المتنصت على الاتصال، بأن المتكلم هو عيّاش، ثم انطلقت إشارة إلكترونية للتفجير، فضغط منفذ "الشاباك" على الزر، وانفجر الهاتف، واغتيل عيّاش بعد مطاردة طويلة ومعقدة.
وبحسب معد التقرير يوفال أغاسي، فإن الشاباك تنصّت لفترة طويلة على مكالمات عيّاش مع والده في سلفيت، قبل تسليمه الهاتف المفخخ، بينما استعرض التقريرُ العبري تعليقاً من ضابط "كبير" بالشاباك سابقاً، ويُدعى عادي كرمي، وصف فيه الاغتيال بـ"عملية مخابراتية من الطراز الأول".
إسرائيل رفضت اغتيال الضيف بعد عيّاش.. بأيام!
ولدوافع ليست بعيدة من المزايدات الداخلية، زعم رئيس الشاباك السابق آفي ديختر، أنه يكشف سراً للمرة الأولى، لتقرير "كان" الآن، وهو أنه بعد ساعات معدودة من اغتيال عيّاش، كان الشاباك قريبا جدا من القيادي القسّامي محمد الضيف، أي قبل ثلاثة عقود، وأن الأمر كان بحاجة لضغط "زر واحد.. وينتهي"، مضيفاً أنه سارع لإخبار رئيس الشاباك حينها، وقال له "لدينا معلومات وقدرة مؤكدة على تصفية الضيف، ونحتاج تصديق المستوى السياسي على العملية".
وكان حينها رئيس الشاباك في مقر وزارة الأمن الإسرائيلية، وتوجه مباشرة إلى المستوى السياسي، قبل أن يعود إلى ديختر ليخبرَه بعدم وجود إذن سياسي بذلك، قائلا: "يكفينا واحداً اليوم".
ثم علّق ديختر أن عدم منح إذن باغتيال الضيف حينها، كان "خطأ قاتلا"، في إشاره إلى أن ذلك منحه فرصة ليكون لاحقا أحد مخططي هجوم 7 تشرين أول/أكتوبر 2023 على منطقة غلاف غزة.
لماذا فتح ملف اغتيال عيّاش الآن؟
يقول معد التقرير يوفال أغاسي إن هذه الذكرى تطرح تساؤلات بشأن جدوى الاغتيالات وفوائدها وأضراراها الأمنية في المدى البعيد، لكنه نوه بأنه رغم نقاشات إسرائيلية مطولة في الماضي حول فعالية سياسة الاغتيالات، إلا أنه بعد 7 أكتوبر 2023، لا مكان في إسرائيل للتشكيك في جدوى الاغتيالات والحاجة إليها، أي أنها ستبقى قائمة ضد قيادات وعناصر حزب الله في لبنان، وحماس وبقية الفصائل في غزة والضفة وأي مكان آخر.
وهنا، تدخل ضابط الشاباك السابق عادي كرمي، ليعبر عن دعمه للاغتيالات، قائلاً إنها "ليست امتيازاً.. بل واجباً"، معتبراً أن الخلل هو عدم اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، في وقت مبكر، وكذلك الحال بالنسبة لتأخير اغتيال محمد الضيف إلى الحرب الأخيرة، وفق قوله.
والحال أن اغتيال العيّاش بطريقة الهاتف المفخخ، يفتح أيضًا ملف تفجير اتصالات حزب الله قبل أكثر من عام، فالتقرير العبري يحمل في طياته رسالة ترهيب أمني كذلك، مفادها أن إسرائيل "تبتكر" كل الوسائل لـ"تحييد أعدائها"، وأن زمن التأخير والتأجيل قد ولّى.. وفي ذلك، لا تكترث إسرائيل في تجاوزها للخطوط الحمر والقوانين الدولية، وكأنها الحاكم والجلّاد في آن!
