تستعد الحكومة الفرنسية لتحويل دفعة أولى من أصول رفعت الأسد المصادرة في باريس، إلى الحكومة السورية، في خطوة تعد الأولى من نوعها بعد سقوط نظام الأسد، وتفتح نقاشاً واسعاً حول مفهوم العدالة ومصير الثروات التي جمعت خلال عقود من القمع والنهب.
ويبلغ الرقم المعلن 32 مليون يورو، حسبما قال مدير "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير" الحقوقي مازن درويش الذي أكد أن التحويل سيتم وفق بروتوكول موقّع بين الجانبين الفرنسي والسوري، على أن تحدد دمشق مجالات الإنفاق مسبقاً وتستلم مبالغ إضافية لاحقاً.
ويستند التحرك الفرنسي إلى مسار قضائي طويل انتهى في أيلول/سبتمبر 2022، حين ثبّتت محكمة النقض الفرنسية حكم الإدانة بحق رفعت الأسد بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة سورية، مع مصادرة أصول تجاوزت قيمتها 80 مليون يورو تتضمن عقارات فاخرة في باريس ومحيطها. وتعدّ هذه الأحكام، ثمرة دعاوى رفعتها منظمات حقوقية أبرزها "شيربا"، بعد تتبع مسارات مالية مشبوهة وإثبات تعارض الممتلكات مع دخل رفعت المعلن منذ مغادرته سوريا إلى المنفى العام 1984.
وكانت فرنسا أقرت آلية لإعادة الأموال المنهوبة إلى السكان المتضررين بموجب قانون صدر في آب/أغسطس 2021، ينص على تخصيص العائدات لمشاريع تنموية وإنسانية تخضع للرقابة، بدلاً من إعادة الأموال إلى سلطات الأسد الفاسدة والمتهمة بجرائم حرب، لكن هذا المسار بقي مجمداً في الحالة السورية لأسباب سياسية، إلى أن تغيرت الظروف بعد سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، مما أتاح تحريك الملف وبدء التفاوض حول آليات التنفيذ.
وتتجاوز قضية الأموال المصادرة بُعدها المالي لتعيد فتح ملف رفعت الأسد نفسه الذي قاد "سرايا الدفاع" في الثمانينيات، وكان نائباً للرئيس الأسد الأب، وتحول اسمه إلى مرادف لمجزرة حماه 1982.. ونسج رفعت منذ خروجه من سوريا، شبكات مالية عبر شركات "أوفشور" وصناديق ائتمانية، وامتلك عقارات في فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، حيث تجري تحقيقات موازية بتهم غسل أموال في "كوستا ديل سول"، وسط تقارير عن ملكيات عقارية شاسعة تصل إلى عشرات الملايين من اليوروهات.
ولا تشير المعلومات المتاحة حتى الآن إلى بيان رسمي فرنسي يحدد تاريخ التحويل أو تفاصيل مجالات الصرف، لكن التصريحات الصادرة عن درويش ترجح أن تكون الدفعة الأولى مخصصة لدعم ملفات العدالة الانتقالية وتعويض الضحايا وتمويل آليات البحث عن المفقودين، وهي ملفات ما تزال تفتقر إلى بنى تنظيمية مستقلة وآليات رقابة مالية وقضائية محلية.
ولا يتعلق السؤال هنا بتاريخ استرداد الأموال بل بكيفية استخدامها، ومن سيشرف على إنفاقها؟ وما هي الضمانات لمنع استنساخ الزبائنية السياسية القديمة تحت شعارات جديدة؟ فمعركة استرداد الحق العام التي طالما طرحت نظرياً، تجد اليوم اختبارها الأول في واقع معقد تتقاطع فيه ذاكرة الضحايا مع حسابات الدولة، وتلتقي فيه أحكام القضاء الغربي مع حاجة الداخل السوري إلى مساءلة وعدالة شفافة لا تعيد إنتاج الفساد بصيغته الانتقالية.
عاد رفعت الأسد إلى سوريا في تشرين الأول/أكتوبر 2021 بعد غياب دام قرابة 37 عاماً بترتيب خاص سمح له بتجنب تنفيذ الحكم القضائي الفرنسي بالسجن الذي صدق بشكل نهائي لاحقاً، ورغم أن عودته جاءت تحت ذريعة العيش والموت في الوطن، فإنها مثّلت لحظة بالغة الدلالة على طبيعة التفاهمات داخل بنية السلطة القديمة، التي ظلت قادرة على استيعاب رموزها رغم الاتهامات الجنائية والفساد العابر للحدود. لكن بقاء رفعت في سوريا لم يدم طويلاً، إذ تشير المعطيات إلى أنه غادر البلاد مجدداً بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى جهة غير معلومة.
