لا يُعد رفعُ علم الملكية الإيرانية (علم ما قبل الثورة) على مبنى سفارة طهران في لندن، مجرّد لقطة احتجاجية، بل دلالة على صراع داخل إيران حول الهوية السياسية والعقائدية للبلاد، كما يحمل إشارة إلى أن الاحتجاجات تتجاوز المطالب المعيشية والاقتصادية الى أهداف سياسية. ففي تلك اللحظة التي صعد فيها متظاهر إلى واجهة السفارة، وسط هتافات المئات، ليزيل علم "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" ويرفع مكانه علم "الأسد والشمس"، برزت رمزية تكشف عن صراع حول هوية الدولة نفسها.
ولم تكن حادثة رفع العلم الملكي السابق الأولى منذ بدء الاحتجاجات مطلع الشهر الحالي، إذ رُفع العالم في ساحات أخرى خارج إيران، وفي الكثير من حسابات مواقع التواصل الإجتماعي، مما منح المشهد دلالة إضافية.
ثمة شريحة من الإيرانيين باتت تتعامل مع هذا الرمز القديم، كأداة تعبير عن رفض واضح للهوية الرسمية التي أرستها الثورة الإسلامية، وهي الهوية الدينية لبلاد كانت خارج هذا السياق على الأقل منذ عشرينيات القرن الماضي، وحتى ثورة الإمام الخميني في 1979. يختزل رفع العلم هنا، رغبة سياسية–هوياتية تبحث عن بديل سياسي، يعكس تصوراً مختلفاً لإيران الحاضر والمستقبل، وربما إشارة أيضاً إلى نزعة للعودة إلى إيران ما قبل الثورة، بسياساتها الداخلية والخارجية، خصوصاً وأن رفع العلم الملكي، يتزامن مع تصريحات لولي العهد السابق المقيم في الولايات المتحدة.
معركة رموز
ورغم أن العلم الملكي لم يُرفع خلال الاحتجاجات الداخلية، تشير استطلاعات GAMAAN إلى أن هناك شريحة من الإيرانيين باتت تنظر إلى هذا الرمز القديم، كأداة للاعتراض على الهوية السياسية التي رسختها الثورة الإسلامية، وكإشارة إلى بحث متزايد عن بديل يمثّل تصوراً مختلفاً لإيران اليوم. تظهر نتائج الإستطلاع، ميلاً متنامياً لدى قطاعات من الإيرانيين، ولا سيما الشباب، نحو استحضار رموز ما قبل الثورة، باعتبارها تعبيراً عن هوية سياسية مغايرة، وربما عن رغبة كامنة في العودة إلى نهج إيران ما قبل 1979، داخلياً وخارجياً.
ظهور رضا بهلوي… تعزيز لرمزية العلم
وبالتزامن مع ذلك، ظهر رضا بهلوي، ابن الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، في مقطع مصوَّر على منصة "إكس"، دعا فيه إلى إضراب عام في القطاعات الحيوية، وحثّ الإيرانيين على التواجد في الساحات ورفع الرموز الوطنية. وتبدو رسالته متناغمة مع إعادة رفع العلم الملكي. ورغم أن تأثيره داخل إيران يظل محدوداً بحكم وجوده في المنفى، فإن ظهوره المتكرر في أوقات التوتر يمنحه مكانة رمزية لدى فئات ترى فيه امتداداً لنوستالجيا سياسية، تتجدد مع اتساع الفجوة بين الشارع والسلطة، علماً أن أنصار الشاه المخلوع، يتواجدون في الولايات المتحدة ودول أوروبية على نطاق واسع، وحملوا معهم فكرة إيران الملكية أو (الشاهنشاهية)، ويجد هؤلاء أنفسهم اليوم في هذا الموقع، كما يُتهمون بأنهم ممولون من بهلوي نفسه، ويحظون بتأييد إسرائيلي وأميركي، بدليل تغيير منصة "اكس" للعلم الايراني ضمن رموزها، ليظهر العلم القديم بدلاً من علم الجمهورية الحالية.
هويتان تتصارعان… ورغبة ثالثة تتشكّل
الهوية التي تسعى الجمهورية الإسلامية لترسيخها منذ 1979، قامت على شرعية ثورية ودينية، مدعومة بمؤسسات سياسية وأمنية وثقافية. لكن الاحتجاجات المتكررة خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من رموز وشعارات جديدة، تكشف عن تحدٍّ متصاعد لهذه الهوية. وفي المقابل، يقدّم التيار الملكي نفسه باعتباره نموذجاً قومياً غير أيديولوجي، يرتكز إلى سردية دولة حديثة قبل الثورة.
غير أن المشهد لا يختصر بصراع بين "علمين" فقط. ثمة شريحة أكبر من الإيرانيين – خصوصاً بين الشباب – تبحث عن هوية ثالثة تتجاوز ثنائية "الثورة أو الشاه"، وتطمح إلى دولة مدنية حديثة لا تستند إلى ثقل الماضي، بكل آلامه الاجتماعية، ولا إلى خطاب أيديولوجي، وتعبر منشورات الإيرانيين في الداخل الذين يشاركون في الاحتجاجات، عن هذا الاتجاه.
