لم تكن الغارة التي استهدفت منزلاً في بلدة أنان، قضاء جزين، شمالي الليطاني، مجرّد حدث عسكري عابر. دقّتها، مكانها، وتوقيتها، تقول بوضوح إن ما جرى يتجاوز منطق "الهدف المحدّد" إلى ما هو أبعد: توتيرٌ محسوب داخل مجتمع هشّ، جاهز للاهتزاز عند أوّل اختبار للهوية والانتماء.
انزلقت ارتدادات الضربة فوراً إلى النقاش العام. منشور واحد في منصّة "إكس" كان كافياً لفتح فجوة جديدة في جدار لبناني متصدّع أصلاً: من يملك البيت؟ من يسكن بيننا؟ ومن يقرّر مصير القرى الهادئة التي لم تعتد أن تكون يوماً على "خريطة النار"؟
من الصاروخ إلى الشبهة
إحدى المغرّدات من أنان كتبت في "اكس": "قرية صغيرة، كاثوليكية، لا يتجاوز عدد سكانها 300 نسمة، لم تكن يوماً في خريطة الأخبار أو الاستهداف"، مشيرة إلى أن منزلها "يبعد نحو 700 متر عن المبنى المستهدف".
ووفق روايتها، فإن المنزل لا يعود إلى أحد من أبناء البلدة، بل لمالك من صيدا، غير معروف محلياً. ثم تذهب أبعد من توصيف الحدث الأمني بالقول: "المشكلة ليست في الضربة نفسها، بل في ما يجب أن يُطرح بعدها: في بيع الأراضي، في تأجيرها، وفي الجهل الذي قد يحوّل القرى إلى أهداف من دون أن يدرك أهلها كيف ولماذا".
استغلال التناقضات
ما لبث هذا الكلام أن فجّر انقساماً حاداً. فريق قرأ فيه تنبيهاً مشروعاً إلى خطورة بيع الأراضي وتأجيرها بلا معرفة أو مساءلة. وفريق آخر رأى فيه انزلاقاً خطيراً نحو خطاب فرزيّ، يُحمِّل "الغريب" مسؤولية الاستهداف، ويفتح الباب أمام شيطنة الآخر.
وهنا، تحديداً، تكمن اللعبة. فيقول الأستاذ الجامعي والباحث في القضايا الإقليمية، د.طلال عتريسي، إن ذلك يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية قديمة ومعلنة، تقوم على استغلال التناقضات الداخلية في الدول المحيطة بها.
تقليب الشقوق بدل خطوط التماس
ما يجري لا يمكن قراءته كوقائع أمنية منفصلة، ولا كغارات عشوائية خرجت عن سياقها. إسرائيل تعمل، بوضوح، على التناقضات اللبنانية، لا على خطوط التماس التقليدية فحسب، بل على الشقوق الدقيقة داخل المجتمع: تلك التي تراكمت بصمت، وتنتظر شرارة لتفتح على مصراعيها.
اليوم، مع انتقال الاستهداف إلى مناطق مسيحية وسنّية، إلى جانب الشيعية، يُعاد إحياء نموذج قديم بصيغة أخطر: فرز قروي، طائفي، ومناطقي، تحت عنوان "الأمن".
ومن هنا، يقرأ عتريسي في تصريحات لـ"المدن"، الانتقال الإسرائيلي إلى استهداف مناطق غير شيعية كجزء من هذه المعادلة. يقول: "اليوم، يحاول الإسرائيلي تنفيذ جزء من هذه الاستراتيجية عبر استهداف بيئات لا تُصنَّف تقليدياً ضمن البيئة الشيعية"، في رسالة واضحة مفادها أن "سلاح المقاومة هو سبب الاعتداءات". الهدف، كما يشرح، هو "تشكيل ضغوط إضافية على المقاومة، عبر بيئات أخرى، بعدما تبيّن أن الضغط داخل البيئة الشيعية وحدها غير كافٍ لإنتاج مطالبة فعلية بنزع السلاح". وهذه المقاربة، وفق عتريسي، تنطلق من قناعة إسرائيلية: "أن إشغال المجتمعات بصراعاتها الداخلية يشكّل نوعاً من الحماية لإسرائيل، لأنها تُبعد الأنظار عنها كعدو مركزي، وتحوّل الصراع إلى الداخل".
جولة ثانية بعد الشيعة
ما نشهده اليوم هو الجولة الثانية بعد بلدات الحدت، بعبدا، وعين الرمانة، ومناطق أخرى، ارتفعت الصراخات وكان التأجير والبيع حصري فقط للمسيحيين حفاظاً على "البيئة". في البداية، وُجّه الاتهام إلى الشيعة حصراً، تحت عنوان السلاح و"البيئة الحاضنة". اليوم، تغيّر المشهد. الاتهام لم يعد محصوراً بطائفة واحدة، بل بدأ يطاول السنّة أيضاً. وهذا التحوّل ليس تفصيلاً.
للمرة الأولى، يظهر اشتباك فعلي، ولو بقي سياسياً وإعلامياً واجتماعياً، بين السنّة والمسيحيين. اشتباك لا يستند إلى وقائع مثبتة، بل إلى هواجس، وإلى خوف مُدار بعناية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين تنتقل البلاد من صراع سياسي مع حزب، إلى توتّر أفقي بين مكوّنات المجتمع نفسه.
تقليب البيئات الحاضنة
منذ سنوات، يتكرّر في الخطاب الإسرائيلي الحديث عن ضرورة العمل على تقليب "البيئة الحاضنة" لحزب الله عليه. وحين لم تُنتج هذه الاستراتيجية النتائج المطلوبة داخل البيئة الشيعية وحدها، توسّعت الدائرة. اليوم، تُنفَّذ العمليات في مناطق شيعية وسنّية ومسيحية، ضمن إطار واحد: تقليب اللبنانيين على حزب الله، لكن أيضاً وبالتوازي تقليب اللبنانيين على بعضهم البعض.
يقول عتريسي لـِ "المدن" إن "إسرائيل، منذ تأسيسها، عملت على خلق النزاعات في الدول المجاورة، وكانت تتحدث بصراحة عن هذه الاستراتيجية، التي تقوم على تفكيك عناصر القوة في هذه الدول". ويذكّر بأن هذا النهج ليس جديداً في الساحة اللبنانية، "وقد ظهر بوضوح خلال الحرب الأهلية، وفي محطات تاريخية متعددة، من خلال دعم مجموعات معيّنة، ولا سيما في المناطق الحدودية".
الصراع كأداة
في كل تجاربه، من فلسطين إلى لبنان، لم يكن المشروع الإسرائيلي يوماً عسكرياً فقط. هو مشروع تغذية صراعات: طائفية، مجتمعية، دينية، وسياسية. ضربات محدودة، لكنها محسوبة، لإنتاج أكبر قدر من الانقسام الداخلي. حين يتكفّل المجتمع بإعادة إنتاج الخوف والكراهية، تصبح الغارة مجرّد شرارة.
في هذا السياق، يستبعد عتريسي أن تكون هذه الاستهدافات مؤشراً إلى حرب شاملة. يقول: "الإستهداف لبعض المناطق هو نمط مدروس من الضربات، هدفه الأساسي تركيز الضغط الداخلي اللبناني لمحاصرة سلاح المقاومة أو الدفع نحو نزعه".
بهذا المعنى، لا تبدو الغارات المتنقلة خارج إطارها العسكري الضيّق، بل جزءاً من إدارة صراع طويلة النفس، تُستخدم فيها الضربة كأداة، والنقاش الداخلي كساحة. فالاستهداف، كما الخوف الذي يليه، ليسا غاية بحدّ ذاتهما، بل وسيلة لإعادة ترتيب الصراعات داخل المجتمع اللبناني، وتحويل التناقضات الكامنة إلى اشتباكات مفتوحة.
