أثار خبر تفجير إسرائيل لمبنى مستشفى "الجولان القديم" المعروف محلياً باسم "الحجر" داخل مدينة القنيطرة، غضباً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفه أحد آخر المعالم العمرانية التي بقيت شاهدة على توغلات الاحتلال الإسرائيلي في المدينة، وأحد الرموز الباقية من زمن التحول الدموي الذي عاشته المنطقة منذ حزيران/يونيو 1967.
وفي تفاصيل الواقعة التي جرت صباح الثلاثاء 6 كانون الثاني/يناير 2026، أفادت مصادر محلية بتوغل قوة عسكرية إسرائيلية داخل المدينة المدمرة وتنفيذها عملية هدم أعقبها تفجير مباشر للمبنى ما أدى إلى دوي انفجار سمع في محيط القنيطرة، بالتزامن مع تحركات أخرى شهدتها بلدات مجاورة كبلدة صيدا، حيث نصبت حواجز عسكرية وتم تفتيش منازل، إضافة إلى تحليق مكثف لطيران الاستطلاع. ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي توضيح رسمي يبرر عملية التفجير فيما التزمت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك الصمت.
وعبّر ناشطون ومواطنون من أبناء القنيطرة في مواقع التواصل الاجتماعي، عن غضبهم من استهداف معلم يعد جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة، معتبرين أن تفجير المشفى لا يندرج في إطار ضرورات عسكرية، بقدر ما يشكل طمساً متعمداً لشاهد تاريخي ظل قائماً منذ سبعينيات القرن الماضي يوثق مرحلة الاحتلال والانسحاب وما رافقها من تدمير ممنهج للبنية المدنية.
أنشئ المبنى في خمسينيات القرن الماضي كمستشفى رئيسي في المدينة، وتحول بعد احتلال القنيطرة في حزيران/يونيو 1967 إلى أثر مادي على الخراب، واستخدم لاحقاً كموقع للتدريب بالنيران، قبل أن يترك على حاله بعد انسحاب إسرائيل من المدينة في أيار/مايو 1974 في إطار اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ، بقي مبنى المستشفى شاهداً على مدينة لم تعد إلى الحياة وتحول إلى ما يشبه المعلم الثابت في المشهد البصري للقنيطرة المهدمة داخل منطقة الفصل التي تشرف عليها قوات "أندوف" الأممية. ومنذ ذلك الحين، يحمل المبنى دلالة رمزية مزدوجة كشاهد على الاحتلال والتدمير الممنهج الذي طاول القنيطرة قبل الانسحاب، ومن جهة أخرى كوثيقة عمرانية تدين فكرة محو المدينة وتثبيتها كفضاء معلق بين الذاكرة والسياسة، من دون أي أفق لإعادة الإعمار أو العودة الفعلية للحياة.
وسقطت القنيطرة في أيدي القوات الإسرائيلية في 10 حزيران/يونيو 1967، وبقيت تحت الاحتلال حتى أيار/مايو 1974، حين انسحبت إسرائيل بموجب اتفاق فصل القوات، وأعيدت المدينة إلى الإدارة السورية ضمن شروط أمنية صارمة، بينما أنشئت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) لمراقبة الالتزام.
وبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، وجدت لجان الأمم المتحدة أن القنيطرة دمرت بشكل شبه كامل، ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته إلى إدانة إسرائيل بتهمة التدمير المتعمد، واعتبار ما جرى انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
وظلّت القنيطرة "مدينة مهدّمة بالقرار" في العقود التالية، وتركت أطلالها بلا ترميم، وجرى تقديمها في الخطاب الرسمي السوري والعربي بوصفها نموذجاً على العدوان الإسرائيلي، لكنها في الواقع بقيت مساحة معلّقة خارج التاريخ العمراني لا يعاد إعمارها ولا يسمح بطمسها. ويأتي هذا التفجير الأخير في ظل واقع حدودي يتسم بتزايد التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل منطقة الفصل منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ تكررت تقارير عن تغييرات جارية في خريطة السيطرة على المناطق الحدودية، من دون غطاء دولي فعلي.
