فلسفة الشر في "Stranger Things": عالم بلا حرية فردية

وليد بركسيةالاثنين 2026/01/05
Image-1767608280
فيكنا: العاطفة ضعف، والذاكرة فخ
حجم الخط
مشاركة عبر

عندما ظهرت "Stranger Things" للمرة الأولى العام 2016، تمت قراءتها على نطاق واسع بوصفها تحية نوستالجية لثقافة الثمانينيات الشعبية: الدراجات، المدن الصغيرة، موسيقى السينث وأغاني البوب، مغامرات الطفولة في عالم متقلب سياسياً وثقافياً وتكنولوجياً. لكن النظر إلى السلسلة الضاربة في "نتفليكس" اليوم بوصفها عملاً فنياً مكتملاً على مر خمس أجزاء، استغرق إنجازها عشرة أعوام كاملة انتهت مع بداية العام 2026، يحيل إلى قراءة أكثر جدية، لأن خلف الإشارات الثقافية والمتع النوعية والإثارة البصرية، تكمن تأملات فلسفية متماسكة حول الطبيعة الإنسانية والصدمة والأيديولوجيا، والخطر الذي تمثله الأنظمة الساعية إلى محو الفردية من الوجود، من الشيوعية إلى كافة الأديان السماوية.

 

وبدلاً من إعادة ابتكار شكل التلفزيون أو آليات السرد، تنجح "Stranger Things" لسبب بسيط وهي الوضوح، وتحديد ماذا يريد أصحابها أن يقولوا من دون حدود مادية أو زمنية لتقديم الأفكار، بشكل يظهر عبر الميزانية الضخمة المخصصة للسلسلة الانجليزية الأكثر نجاحاً في تاريخ "نتفليكس"، أو في مدة الحلقات التي يتجاوز بعضها ساعتين. وعلى امتداد خمسة مواسم، تتخلى السلسلة تدريجياً عن الراحة والحنين، مستبدلةً بهما أسئلة أكثر قتامة وإرباكاً، لا عن الوحوش، بل عن معنى البقاء إنساناً في عالم يزداد عداءً للحياة الداخلية والحريات الفردية مع صعود اليمين المتطرف والنزعات الاستبدادية خصوصاً في الولايات المتحدة.

 

ولعل أبرز المواقف الفلسفية في "Stranger Things" هو رفض السلسلة إعطاء صورة رومانسية خيالية لمعان مثل الصدمة والتراوما. الألم والمعاناة حاضران في كل تفصيل داخل السلسلة، لكنهما لا يقدمان أبداً بوصفهما تبريرين أخلاقيين بحد ذاتهما للأفعال مهما كانت تلك الأفعال شنيعة. وفيما تختبر الشخصيات، على اختلاف بوصلتها الأخلاقية، مشاعر الفقدان والذنب والخوف، والضرر النفسي، ترسم السلسلة خطاً فاصلاً واضحاً بين من يعيش مع الصدمة، ومن يحول الصدمة إلى أيديولوجيا.

تغدو هذه التفرقة مركزية في المواسم الأخيرة مع عدم تصوير الصدمة النفسية والماضي المظلم على أنهما مصدر تلقائي للحكمة أو الطهارة أو التفوق الأخلاقي، مثلما يحدث في كثير من الأعمال الفنية الأخرى. على العكس، تقترح السلسلة أن المعاناة لا تكتسب معناها إلا عبر الخيارات المتخذة في ما بعدها والتي تصنع الهوية الذاتية عبر ردة الفعل لما يحيط بالأفراد من أمور عشوائية خارجة عن سيطرتهم. وتكرر السلسلة عبر نماذج مختلفة أن المعاناة نفسها هي أمر إنساني وطبيعي ويحدث باستمرار للأسف، ومعها يحمل كل فرد خيارين، الاستمرار في المعاناة وإعادة تدويرها كمصدر للشر، الداخلي أو الخارجي، أو تجاوزها والتعايش معها والنضوج بسببها.

 

تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في لحظة ثقافية تختزل فيها الشخصيات غالباً إلى الأذى الذي لحق بها وهي نقطة تحصل باستمرار في الحياة الحقيقية عندما يتم اختصار الأفراد وتحجيم وجودهم إلى لحظة صعبة من الزمن قلبت حياتهم رأساً على عقب، مثل اللاجئين أو ضحايا الاعتداء الجنسي أو الناجون من كارثة طبيعية أو عشرات التفاصيل الأخرى التي تضع إطاراً على الأفراد رغماً عنهم. تقاوم "Stranger Things" ذلك الاختزال ببراعة، وتصر على أن الصدمة، وإن شكلت الأفراد، لا تعرفهم تعريفاً مطلقاً، لأن الإنسانية تبقى مسألة فاعلية واختيار، لا مسألة أصل ومنشأ.

يرتبط هذا الفهم للصدمة ارتباطاً وثيقاً برفض السلسلة للتفسيرات الحتمية للشر، مع رفضها مراراً وتكراراً لاكتفاء بالسببية البسيطة أو تقديم الشخصيات على أنهم منقسمون بين الأبيض والأسود بل كمزيج من الرمادي كما هو الحال في الواقع. وعليه، لا تفسر الشخصيات بالكامل بماضيها أو بيئتها أو الأنظمة التي شكلتها. وحتى حين تلعب مؤسسات كالمختبرات أو الحكومات أو البنى الاجتماعية دوراً ما، لا تزاح المسؤولية عنها بالكامل لأن كل ما يحدث من حولنا في النهاية هو خيار شخصي.

 

يتجلى هذا الموقف الفلسفي بوضوح في شخصية فيكنا، أحد أروع الشخصيات الشريرة التي يمكن التعرف عليها في أي عمل فني.  فخلافاً لكثير من أشرار الأعمال المعاصرة الذين يؤطرون أساساً بوصفهم ضحايا للظروف، يرفض فيكنا لغة التبرير من أساسها. وفي الموسم الخامس مع الكشف عن ماضيه والتراوما التي خلقت الوحش داخله، ومحاولة التعاطف معه، يظهر فيكنا كشر مقصود، لا كشر عرضي عابر. وفيما لا ينكر الوحش ماضيه فإنه يرفض أن يجعله سبباً للإعفاء من المسؤولية كما يرفض اختزاله إلى مجرد نتيجة لنقطة زمنية حدثت في الماضي. يصرخ فيكنا بأن شره ليس حادثاً، ولا هو مجرد نتاج للتجارب أو الإهمال. إنه رؤية واعية للعالم الذي يراه فاسداً وقاتماً ويجب استبداله.

بهذا المعنى، تقف "Stranger Things" إلى جانب فهم وجودي للطبيعة الإنسانية: الأفراد لا يختزلون إلى أصولهم. إنهم يعرفون بما يختارون تأكيده أو رفضه. هذا التركيز على الاختيار بدل السببية يمنح السلسلة جدية أخلاقية تميزها عن السرديات الأكثر عاطفية أو تساهلاً، خصوصاً عند مناقشة فكرة مشاعر الضحية السائدة في الثقافة المعاصرة حيث يشعر الأفراد بأنهم ضحايا لسيستم يقهرهم بسبب طبيعة الحياة المعاصرة، خصوصاً نظام العمل وكيفية الاستمرار اقتصادياً. 

 

ويكمن القلب الفلسفي لـ"Stranger Things" في تصورها للعالم المقلوب (Upside Down). فهذا البعد البديل ليس مجرد مرآة مظلمة للعالم الحقيقي، ولا هو جحيم فوضوي تحركه عنفوية عمياء. إنه عالم منظم، محكم، ومتماسك على نحو مقلق، كما أنه مجرد جسر عبور نحو العالم الآخر حيث يوجد الشر فعلاً. إنه عالم من صنع الإنسان نفسه في سعيه نحو السيطرة والتحكم. هو المعاناة التي يسببها الإنسان للإنسان وللطبيعة من حوله، هو اختصار رمزي لكل ما هو قبيح في النفس البشرية التي تتميز بصفات كثيرة منها الرغبة في التدمير، مهما كانت مدركة لعواقب أفعالها.

والإنسانية مذهلة هنا، في الواقع الفعلي يعاني الكوكب مثلاً من التغير المناخي والتسلح ووجود القنابل النووية التي تمت صناعتها رغم المعرفة بما هي قادرة على فعله. وهذه الأمثلة الكبيرة، لا تظهر في السلسلة، لكن شخصيات كثيرة تمثلها رمزياً، مثل الدكتورة كاي التي تبرز في الجزء الخامس كعالمة شريرة تعيد تفعيل البرامج السرية الحكومية لتصنيع شخصيات بقوى خارقة مهما كان الثمن، ومهما كانت درجة معرفتها بالكارثة الحتمية لتلك التجارب لأنها تعيشها حرفياً ولحظياً في العالم المقلوب.

 

ولذا، ما يجعل العالم المقلوب مرعباً ليس وحشيته، بل غياب الداخل الإنساني فيه. إنه عالم بلا ذاتية. فضاء لا يوجد فيه شيء إلا بوظيفته. تذوب الفردية في المنفعة. لا قيمة للذاكرة أو العاطفة أو المعنى الشخصي ما لم تكن قابلة للاستغلال. بهذا المعنى، يعمل العالم المقلوب بوصفه استعارة لكون تحكمه الأنظمة القمعية وتغيب فيه قيمة الحرية الفردية. هو عالم لا يدار بالشغف أو الفوضى، بل بالكفاءة، والتكرار، وامتصاص الهوية الداخلية. ولا يأتي الرعب فيه بالتالي من الاضطراب والمجهول، بل من رغبة أسياد ذلك العالم على محو الاختلاف، سواء كان ذلك فيكنا، أو الجيش الأميركي أو النظام السوفياتي وحتى الرب نفسه كفكرة سامة ضمن المجتمعات المعاصرة.  

وفيكنا ليس مجرد وحش أو زعيم نهائي في حملة ضمن لعبة "دانجن أند دراغنز" التي تقتبس منها السلسلة روحها، بل هو موقف أيديولوجي متماسك يقف في تعارض مباشر مع الذاتية الإنسانية والفردانية. ورؤيته للعالم واضحة: العاطفة ضعف، والذاكرة فخ، والفردية خلل، والمعاناة تكشف الحقيقة. وعلى خلاف كثير من الخصوم، لا يسعى فيكنا إلى السلطة لمجرد السيطرة. لا يريد حكم البشرية، بل يريد نفيها ليس بسبب يأسه منها بعد أمل طويل، كحال الفلسفة العدمية، بل ليقينه من أن الأمل نفسه فخ ورؤيته الواضحة لأن مشكلة العالم لا يمكن حلها إلا عبر نسفه من أساسه واستبداله بعالم جديد.

 

والمذهل هنا أن العالم الذي يتحدث عن الحرية الفردية يفرض القيود، ليس فقط بالمعنى السياسي للكلمة، بل بالمعنى الفيزيائي أيضاً. يقف فيكنا أمام الزمن نفسه بوصفه اختراعاً بشرياً تافهاً. ولا يسأل ما هو الزمن، بل يتجاوز ذلك السؤال فوراً نحو الإجابة: عندما يرى الناس في الدقائق والثواني نظاماً وانضباطاً أرى القيود المصطنعة. وبالتالي للحظة يصبح فيكنا أكثر من شرير يمثل العقل الجماعي (Hive Mind) الموجود لدى كائنات أخرى، ويصبح تجسيداً للسؤال الموجود في قلب كل إنسان، حول إن كانت حريته فعلاً موجودة ضمن السيستم نفسه أم أنها مجرد وهم.

هذا الفارق جوهري. لأن هدف فيكنا النهائي ليس التحكم، بل الإلغاء. هو لا يسعى إلى استبدال نظام بآخر،  بل إلى إثبات أن الحياة الداخلية الإنسانية نفسها بلا معنى. بهذا المعنى، يتجه فيكنا نحو التطرف الأيديولوجي أكثر مما يشبه الشر التقليدي. وخطورته لا تكمن في قوته، بل في المنطق الذي يجسده لأن كل من يشاهد السلسلة يعرف أن فيكنا محق في النهاية. ورفض السلسلة تبرئة فيكنا أو إنقاذه فلسفياً ينسجم تماماً مع ذلك اليقين مهما كان الاعتراف به صعباً.

 

وفي مواجهة منطق الـ"Hive Mind" في العالم المقلوب، والنفي الأيديولوجي الذي يمثله فيكنا، والسيستم القاهر الذي تمثله الحكومة الفاسدة، تركز السلسلة على قوة هشة وملحة هي الاتصال الإنساني. ما ينقذ الشخصيات في "Stranger Things" ليس القوة وحدها ولا الذكاء، ولا حتى البطولة بالمعنى التقليدي. بل الارتباط وعلاقات الصداقة، والحب، والذاكرة، والاعتراف بالآخرين ككائنات فريدة. والأفضل أن تلك الروابط ليست مثالية بقدر ما هي فوضوية ومؤلمة، وغالباً غير كافية. ورغم ذلك، تقدمها السلسلة بوصفها خط الدفاع الأخير في وجه الذوبان ضمن السيستم. 

وفي عالم يسعى إلى اختزال الأفراد إلى وظائف أو بيانات، يصبح الاتصال فعل عصيان وتمرد على السيستم. وهذا صحيح تحديداً في العالم المعاصر اليوم الذي تتحكم به خوارزميات شركات الاتصال الكبرى. وربما يشكل ذلك الجانب الإنساني الأوضح في السلسلة التي تقترح أن ما يجعل الحياة جديرة بالحفاظ ليس الطهارة الروحية أو الكمال الأخلاقي ولا الاصطفاء العرقي وغيرها من الأفكار السامة التي يكررها المتطرفون من أقصى اليمين واليسار، بل عمق العلاقات الفردية فيها وتنوعها، لا أكثر.

 

وعند النظر إلى "Stranger Things" بوصفها نتاج العقد الأخير، تتضح انعكاساتها لقلق ثقافي يتجاوز الحنين والنوستالجيا لعالم أبسط، بكثير. فالانتقال من وحش واحد في المواسم الأولى إلى نظام كامل متعدد الأبعاد من الرعب، يعكس مخاوف معاصرة من المراقبة، والتحكم الخوارزمي، ونزع الإنسانية عبر البنى المجردة، كما أن حضور أفكار الرقابة الحكومية والشيوعية وحتى النازية تحيل كلها إلى مخاوف من النزعات السياسية المتطرفة التي باتت حاضرة للأسف.

وفيما بدأ عقد 2010 بشكل إيجابي أعطى آمالاً للعالم أجمع مع ثورات الربيع العربي ونزعات الحرية والديموقراطية حول الكوكب وثورة مواقع التواصل الاجتماعي التي بدت للحظة شيئاً إيجابياً يجمع الناس بسهولة، تحول كل ذلك إلى انهيار لاحق مع فشل الثورات كلها في الوصول إلى نتائج أفضل وصعود التطرف اليميني في الغرب ووصول دونالد ترامب للبيت الأبيض مرتين وتغول شركات التكنولوجيا الكبرى، خصوصاً تلك التابعة لرجل الأعمال اليميني المتطرف أيلون ماسك.

 

ولا ترد "Stranger Things" على هذا الانهيار بالعدمية ولا بالتفاؤل الزائف، لأن نهاية السلسلة لا تعد بعالم ترفرف فيه الفراشات بسعادة ولا ببراءة مستعادة من قبضة الشر. بل تقدم الضرر الذي حصل من دون أوهام، مع رفض للاستسلام حتى مع غياب اليقين بما يحمل المستقبل. ولعل ما يميز تلك النهاية هو تماسكها بوصفها جزءاً من سردية مكتملة كان أصحابها يعرفون منذ البداية تفاصيلها ومتى يجب أن تتوقف وكيف ولماذا، من دون دراما إضافية أو تفسير كوني مفاجئ للأحداث بشكل يقوض ما قامت السلسلة عليه أصلاً. 

بالعكس، تنتهي السلسلة على تأكيد هاجسها المركزي: هشاشة الفردية الإنسانية في مواجهة أنظمة تسعى إلى الإلغاء والتبسيط والمحو. وحلقتها الأخيرة تبدو كمانفستو فلسفي وجودي لا عدمي، يذكر بأن التهديد الأكبر ليس الفوضى ولا الشر، بل عالم لا تعود فيه للحياة الداخلية قيمة. وتصر، بهدوء وحزم، على أن اختيار الإنسانية مهما كانت ناقصة وهشة ومحدودة، يبقى فعلاً يستحق الإقدام عليه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث