سينتهي غداً العام 2025. أي، مرة أخرى، سينتهي عام ويبدأ آخر. مرة أخرى، سأشهد نهاية عام وبداية آخر. تماماً كما أستيقظ كل صباح، وأشهد استيقاظ كل صباح من كل يوم. وكما أكسر كل صباح، قبل مغادرتي السرير، حبة الدواء وأتناولها مع حبة أخرى كاملة، وكما أغادر السرير كل صباح، وأغسل أسناني كل صباح وأغسل وجهي كل صباح، وأضع المرطب وكريم الحماية كل صباح، و أبوّل كل صباح، وأبدل ملابسي الداخلية كل صباح. وكما أخلع عني ثياب النوم وأبدلها بملابس أخرى كل صباح. وأهبط الدرج من غرفتي إلى الطابق الأرضي كل صباح.
أكون موجودة فيما أفعل كل ما أفعله، كل صباح، شاهدة عليه، وأراقب نفسي وأنا أفعل كل ما أفعله صباحاً تلو صباح، ثم ظهراً تلو ظهر، ثم عصراً تلو عصر، ثم مساءً تلو مساء.
سينتهي هذا العام كما انتهى مساء البارحة والمساء الذي قبله والذي سبقه، كما انتهت أمسيات الشهر الماضي والفصل الماضي، وكما انتهت أمسيات العام الماضي وكما سينتهي هذا المساء. وسيبدأ العام الجديد كما بدأ مساء البارحة، والمساء الذي قبله والذي سبقه، كما بدأت أمسيات الشهر الماضي والفصل الماضي، وكما بدأت أمسيات العام الماضي وكما بدأ هذا المساء. تماماً كما سأقص أظافري مجدداً وأشهد قصّي لها، كما شهدت قصّها الأسبوع الماضي وكل أسبوع. لا أراها وهي تنمو، لكني فجأة أراها وقد طالت، وأِشاهد يدي اليمنى تقص أظافر اليد اليسرى، ثم اليسري تقص أظافر اليمنى، ثم بيديّ الاثنتين أقص أظافر قدمي اليسرى واليمنى كل أسبوع، كل أسبوع، كل أسبوع، كل أسب...
أصابعي الطويلة بأظافرها القصيرة جداً تنقر مجدداً على مفاتيح أحرف اللابتوب. بعد أيام ستكون أظافري أطول بقليل، وبعد يوم أو يومين، ستطول أكثر بقليل، وأقصها وأراقب قصها والتقاطي للأظافر المقصوصة ورميها، وسأبتسم ككل مرة لأظفاري القصيرة الجديدة. تماماً كما سأراقب يديّ تعرّيان جسمي من ملابسه، وقدميّ تخطوان نحو الماء الساخن لأضع الشامبو ثلاث مرات على شعري، ثم الكريم، ثم أسرحه، ثم أضع الصابون على الليفة وأفرك جسمي، ثم أمشط شعري، ثم أزيل عنه بقايا الكريم وعن جسمي بقايا الصابون، ثم أغادر المياه لأجفف جسمي وأرتدي ملابس داخلية نظيفة وملابس جديدة، وأِشعر أنني جديدة مجدداً.
ثم أراقب نفسي مرات أخرى، ويداي تعريان، وأخطو وأضع وأزيل وأجفف، أغادر وأرتدي وأراقب نفسي وأنا أشعر أنني جديدة مجدداً. ثم أراقب نفسي وأنا أشعر أنني جديدة مجدداً. ثم أراقب نفسي وأنا أشعر أنني جديدة مجدداً. ثم أراقب...
كما راقبت نفسي، وأنا وهي نبحث عن الحب. بحثت صباحاً وظهراً وبعدهما، وفي المساء وحتى منتصف الليل. بحثت في البيت وفي الأفلام والدكاكين والمقاهي والفايسبوك وانستغرام وبامبل، وفي الرسائل المهملة في ماسينجر. ولم أجد الحب، لا في الصباح ولا عند الظهر ولا بعده، ولا في الأمسيات ولا بعد منتصف الليالي ولا في البيت ولا في الأفلام ولا في الدكاكين والمقاهي ولا في الفايسبوك ولا انستغرام ولا بامبل ولا في الرسائل المهملة في ماسينجر.
لم أجده هذا العام، ولا الذي قبله، ولا الذي سبقه، ولا الذي سبقه ولا الذي سبقه ولا الذي....
سينتهي العام. كما انتهى قبلاً. وسيبدأ عام كما بدأ قبلاً.
كنت هنا وشهدت وراقبت انتهاء كل الأعوام وبدء كل الأعوام. وشهدت وراقبت، حتى أني عشت كل الفترة الممتدة بين بدايات تلك الأعوام ونهاياتها.
أعوام كثيرة انتهت، إذا نظرت خلفي، رأيتها كمَن ينظر إلى مرآة خلفه تقابلها مرآة أمامه، فيشاهد تكرار جسمه فيها إلى ما لا نهاية. وفي كل نسخة يكون الانعكاس أصغر والألوان أبهت.
إذا مددت يدي لأصل للانعكاس الأول، لن أتمكن من التقاطه، بالرغم من أني أنظر إليه، بل فيه. كل حركة تتكرر في المرآة إلى ما لا نهاية.
وفي تلك اللانهاية كأني أنظر إلى ثقب أسود يمتص كل انعكاساتي.
ستصلني رسائل معايدات قليلة. وسأرسل أقل منها.
ولن يعني لي كل ما سيصل، وكل ما سأرسل. بالرغم من قلّته.
سأحاول هذا العام أن أحدد الشخصية التي سألتزم بها لما تبقى من أعوام. ومعها سأختار الملابس المناسبة. ربما أبدأ باعتماد الألوان الداكنة، وأتخلى عن الألوان الزاهية. يبدو أني سأكون أكثر تقشفاً، وهذا ليس خياراً، لكني سأتبناه كما لو أني اخترته بل قررته.
سأتوقف هذا العام عن البحث عن الحب. وهذا أمر لم يحدث في أي عام سبق. التوقف عن البحث هو السبق.
ساستبدل البحث بالعيش في أحلام يقظتي، حيث أجد ما أبحث عنه، أو عالأرجح سيجدني. سأجعله يجدني مرة، وأجده مرة. سنجد بعضنا مرات ومرات ومرات، فأعداد المرات في أحلام اليقظة غير محدودة، كالسيناريوهات.
وفي كل المرات سأتخطى البحث وسأجد مباشرة.
كان البحث لفترة ما قبل الأحلام، وانتهى مع نهاية العام.
كل عام والحب ليس بخير.
