العدالة والهوية والتمثيل...هواجس السوريين في عام التحرير

مصطفى الدباسالأربعاء 2025/12/31
Image-1765220557
احتفالات في دمشق في ذكرى عام على سقوط نظام الأسد (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ سقوط نظام الأسد، تحولت وسائل التواصل من مساحة خائفة ومحاصرة، إلى الساحة الأوسع للتعبير عن المزاج السوري والمكان الأول الذي تظهر فيه الانفعالات الأولى، حيث يختلط الخبر بالصورة، والتسريب بالشائعة، والنقاش السياسي بالأحاديث اليومية.. وخلال هذا العام، برزت مجموعة من القضايا التي تكررت بشكل دائم في  في أحاديث السوريين مما جعلها الأكثر تداولاً بين السوريين، والأقدر على تلخيص أسئلتهم.

 

فلول الأسد والتكويع

منذ الأسابيع الأولى لسقوط النظام، ظهر مصطلح "فلول الأسد" في صفحات السوريين للإشارة إلى الضباط ورجال الأعمال والميليشيات المحلية والشخصيات الإعلامية والفنية التي أفلتت من المساءلة، أو عادت إلى الواجهة بأدوار جديدة وصفت بأنها "إعادة تدوير"، وظهر مصطلح "التكويع" لوصف كل شخصية كانت مدافعة عن النظام ثم سارعت إلى تبديل خطابها بعد سقوطه.

ملف فلول الأجهزة الأمنية ظهر على نحو خاص مع اسم فادي صقر، القائد السابق لميليشيا الدفاع الوطني في دمشق، المتهم بدور محوري في مجزرة حي التضامن العام 2013، والذي عاد اسمه بقوة في 2025 مع تقارير عن ظهوره في الحي ذاته بصفة "وجه مصالحة"، في ظل غضب عارم في مواقع التواصل من مشاهدته يتجول في سوريا، حسبما رصدت تقارير حقوقية وصفحات محلية.

بالتوازي، تحولت أخبار التسويات التي أجراها ضباط كبار من زمن الأسد إلى مادة شبه يومية، مثل اللواء طلال مخلوف، القائد السابق في الحرس الجمهوري، الذي أُشير إليه في تقارير متخصصة كمثال على تسويات تمنح بطاقات "حماية مؤقتة" لرموز أمنية سابقة، مما وسّع شعور قطاعات واسعة من السوريين بأن مرحلة ما بعد الأسد لم تحسم بعد مصير المتورطين من الأجهزة الأمنية الأسدية.

 

Image-1764697561

 

العدالة الانتقالية والبحث عن المفقودين

الملف الثاني الذي احتلّ مكاناً راسخاً في ترندات السوريين، كان العدالة الانتقالية، بوصفها مصطلحاً قانونياً ورغبة ملحة لعشرات آلاف عائلات المفقودين.. ومع وصول صور ووثائق جديدة من أرشيف "محاكم الميدان" ومعتقلات النظام السابق إلى الإعلام، ثم وسائل التواصل، صار النقاش حول العدالة الانتقالية مرتبطاً مباشرة بأسماء السجون، وبأسئلة من نوع من يُحاسب ومن يُعفى عنه وكيف تُعاد كرامة الضحايا؟

وشكل إنشاء "اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية" و"اللجنة الوطنية للمفقودين" من قبل الحكومة الانتقالية، نقطة تحول مؤسساتية، لكنه في الوقت ذاته غذى نقاشاً واسعاً في وسائل التواصل بين من رأى فيه خطوة أولى ضرورية، ومن اعتبره بطيئاً ومحدوداً ولا يمس كبار المتورطين.

ومع نهاية 2025، أطلقت وسائل إعلام دولية تحقيقات جديدة عن آلة القتل في سجون الأسد، استندت إلى عشرات آلاف الصور التي خرجت إلى العلن بعد سقوط النظام، ما أعاد صيدنايا إلى واجهة النقاش، وربط بين الأرشيف المصوّر والمقابر الجماعية المكتشفة في محيط دمشق، وحملات أهالي المفقودين المطالبين بتحديد أماكن الدفن قبل الشروع في أي مشاريع عمرانية في تلك المناطق.

 

Image-1763238858
حبال المشانق في سجن صيدنايا (أرشيف)

 

مجازر الساحل و أمن العلويين

وحلت أحداث الساحل السوري  في قلب اهتمامات السوريين طوال العام بعد سلسلة من المجازر والاعتداءات التي استهدفت أحياء وقرى علوية، في سياق صراع مركب بين فلول النظام السابق وفصائل مرتبطة بالسلطات الجديدة، ومجموعات محلية مسلحة، إذ وثّقت تقارير صحافية وحقوقية موجات قتل طائفي في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2025، خصوصاً في مناطق من ريف اللاذقية وبانياس، حيث قتل مئات المدنيين في أعمال انتقامية. وتحولت صور الجثث في الطرق ومقاطع الفيديو التي تظهر مجموعات مسلحة تهتف بشعارات انتقامية، إلى محتوى يومي في وسائل التواصل، وارتبطت بتقارير صحافية تحدثت عن دور مجموعات من فلول النظام في إشعال مواجهات، وعن ضعف قدرة السلطة المركزية على ضبط السلاح العشوائي، مما جعل الساحل نموذجاً لمناطق تنتقل من مظلّة الحماية الأمنية القديمة إلى فوضى سلاح يدفع المدنيون ثمنها مرة ثانية.

 

GettyImages-2203937668.jpg

 

السويداء 

السويداء بدورها، ظلّت حاضرة طوال العام 2025، امتداداً لحضورها في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، لكن مع تحوّل نوعي بعد سقوطه وخصوصاً بعد أحداث شهر وعمليات قتل ذات بعد طائفي، ومواجهات بين مجموعات محلية وعشائر عربية مدعومة من السلطات، وبين هذه المجموعات نفسها أحياناً، مما جعل كل حادث إطلاق نار أو اغتيال أو اعتداء على حاجز، مادة فورية للجدل في منصات التواصل مع نقاش واسع حول موقع الدروز في سوريا الجديدة، وعلاقتهم بالسلطات في دمشق وشكل سوريا المستقبلية، وكيف تدار العلاقة بين السلطة الجديدة والمكونات غير السنية، وكيف يمكن منع انزلاق البلاد إلى دورة طويلة من الحروب المحلية.

 

Image-1765186231

 

خطف النساء

وبرز ملف العنف ضد النساء وخصوصاً من الطائفة العلوية  بقوة في 2025، بعد تقارير عن موجة جديدة من الخطف والاغتصاب في مناطق الساحل وحمص وحماة، استهدفت نساء علويات على خلفية طائفية وانتقامية، إذ وثّقت وكالات أنباء ومنظمات حقوقية عشرات الحالات بين شباط/فبراير وتموز/يوليو. ويحمل هذا الملف  طبقات من الذاكرة، لكنه في العام 2025، أخذ بُعداً مضاعفاً، لأن السياق هذه المرة هو ما بعد سقوط النظام، حيث يفترض أن تكون الدولة قادرة على حماية النساء ومحاسبة الجناة، مما جعل كل خبر عن حادثة جديدة شرارة لموجة غضب وتعاطف ونقاش في وسائل التواصل، بين من يركّز على الطابع الطائفي للجريمة، ومن يربطها بفشل أجهزة الأمن الجديدة ومن يحذّر من تحويل معاناة النساء إلى أداة لتبرير خطاب طائفي مضاد.

 

سجن صيدنايا والمقابر الجماعية

لم يغب سجن صيدنايا عن خطاب السوريين طوال العام، فالصور الجديدة التي نشرتها وسائل إعلام دولية عن منظومة الاعتقال والتعذيب والقتل بين 2015 و2024، مع الكشف عن عشرات آلاف الصور غير المنشورة سابقاً، أعادت السجن إلى واجهة النقاش، وربطت بين الأرشيف البصري والقصص التي ترويها عائلات المفقودين، وبين حملات المقابر الجماعية على أطراف دمشق.

في الوقت ذاته، أظهر تقرير مشترك بين منظمات سورية ودولية استمرار زيارات الأهالي لمواقع مقابر جماعية تم الكشف عنها بعد سقوط النظام، ومحاولتهم نبش القبور بأيديهم أحياناً بحثاً عن أثر لأحبائهم. وانعكست هذه المعطيات في وسائل التواصل في شكل حملات تضامن، ونقاشات حادة مع وزارة العدل الجديدة إثر تحذيرها من نشر صور الجثث المعذبة من دون موافقة الأهالي لحماية الخصوصية والكرامة، وهي خطوة رآها كثيرون محاولة لتقييد مساحة التوثيق الشعبية التي صنعتها صور قيصر وما لحق بها.

 

زينة شهلا أمام البرلمان في دمشق (Getty)

 

الطائفية والهوية

ويتقاطع كل ما سبق من ملفات في نهاية المطاف عند سؤال الطائفية والهوية، الذي احتل بدوره مساحة واسعة في نقاشات 2025، حيث وثقت تقارير بحثية وإعلامية صعود خطاب كراهية صريح في وسائل التواصل مع ربط مباشر بين ما ينشر، وما يقع على الأرض من اعتداءات وانتقامات متبادلة، وكأن سقوط نظام الأسد فتح الباب أمام أدبيات كانت مكبوتة، لكنها حذّرت في الوقت ذاته من أن غياب إطار واضح للعدالة الانتقالية، يسمح لدوامة الثأر بأن تتغذى على نفسها، وأن يتحول الفضاء الرقمي إلى غرفة صدى تعمق الصور النمطية القديمة بدل تفكيكها.

وعلت أصوات النقاشات التي يقودها ناشطون وناشطات من مختلف الخلفيات وتدعو إلى خطاب لا يختزل العلويين في صورة الجلاد، ولا الكرد في صورة الانفصالي، ولا الدروز في صورة "المتردد"، ويربط العدالة بمحاسبة الأفراد والمؤسسات، لا الجماعات ككل، وهي نقاشات باتت جزءاً من المشهد اليومي حتى إن كان تأثيرها على الأرض ما يزال محدوداً.

 

الفنانون السوريون وسلاف فواخرجي

ضمن هذا كله، كان ملف الفنانين السوريين، وفي مقدمهم سلاف فواخرجي، أحد أكثر المواضيع تداولاً، بسبب دورهم في الترويج لخطاب النظام السابق، ثم في تبرير الجرائم أو إنكارها حتى بعد سقوطه، وتحولت قرارات نقابة الفنانين في دمشق بفصل فواخرجي من سجلاتها بسبب مواقفها السياسية، وتصريحاتها التي استمرت في تبرئة الأسد أو التخفيف من مسؤولية نظامه عن المجازر، إلى محور نقاش واسع في وسائل التواصل، بين من رأى في الخطوة شكلاً من أشكال العدالة الرمزية، ومن اعتبرها متأخرة أو شكلية، خصوصاً وأن فواخرجي لم تتراجع عن خطابها، وأكدت في عدة مناسبات تمسّكها بروايتها عن عائلة الأسد الفار.

 

الكهرباء

وبقيت الكهرباء واحدة من أكثر الملفات التصاقاً بالحياة اليومية، وبالتالي حضوراً في وسائل التواصل، إذ عاش السوريون عام 2025 بين وعود إصلاح قطاع الطاقة عبر اتفاقيات كبرى مع شركات قطرية وأميركية وتركية، وبين واقع تقنين قاس وارتفاعات في أسعار الكهرباء، حول فواتير الكهرباء إلى مادة غضب وسخرية في فايسبوك، في الوقت ذاته، استمرت قصص الأحياء التي تعتمد على المولدات والطاقات الشمسية، لتصبح هذه القصص جزءاً من السردية اليومية في وسائل التواصل، حيث تظهر الكهرباء كاختبار حقيقي لقدرة الدولة الجديدة على تقديم خدمة أساسية بعيداً عن الشعارات والوعود المؤجلة. 

 

ذكرى التحرير

وفي الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2025، يوم الذكرى الأولى للتحرير، بدت سوريا كأنها تتعرّف من جديد إلى نفسها، حيث امتلأ الساحات بحشود ترقص وتغني وتسخر من الأسد تحت شاشات عملاقة وعروض جوية مرّت فوق مبنى التلفزيون. في ذلك اليوم تحديداً، ومع كل البث المباشر ومقاطع الفيديو التي أعادت تدوير المشهد في وسائل التواصل، ظهر أن السوريين رغم الخلافات العميقة حول العدالة والجيش والهوية، ما زالوا قادرين على الاجتماع حول لحظة واحدة تقول إن سقوط النظام كان بداية زمن آخر لا يريدون التفريط به.

 

اعتصامات الساحل 

وجاءت اعتصامات الساحل في 28 و29 كانون الأول/ديسمبر بعد يومين من التفجير الإرهابي الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بحمص لتعيد العلويين إلى المشهد، وفتحت الباب أمام لحظة خوف جماعي، تحولت بسرعة من تضامن واحتجاج بعد دعوة من الشيخ غزال غزال  إلى ساحة قابلة للاشتعال بخطاب طائفي متوتر.وفي قلب المشهد، ظهر في تسجيل مصور أشخاص ملثمون وسط المتظاهرين، قالوا إنهم يتبعون "سرايا الجواد" و"سرايا درع الساحل"، بالتوازي مع كتابات وشعارات على الجدران تحمل تذكيرا بنظام الأسد، وعبارات تهديد من نوع "الأسد أو نحرق البلد"، مما دفع الحدث إلى منطقة رمادية بين احتجاج شارع، ومحاولة استثمار سياسي وأمني لصورة الشارع.

ومع توسع التجمعات، انزلقت بعض الاعتصامات إلى احتكاكات ورشق حجارة وإطلاق نار وأعمال شغب في اللاذقية ومحيطها، ووردت تقارير عن سقوط قتلى بينهم عنصر أمن، بينما تحدثت وزارة الداخلية عن اعتداءات نفذتها مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق، في وقت كانت فيه عبارات طائفية تنتشر في الشارع وعلى مواقع التواصل، وتعيد إنتاج مفردات تحريض قديمة، وتدفع النقاش كله إلى منطق "من يمثل من؟"، بدلاً من سؤال أبسط وأشد إلحاحاً، من يضمن حق الاحتجاج ويمنع تحويله إلى صراع أهلي ولماذا خرج الناس إلى الشوارع؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث