بين يدي كوب شاي، وقطعة من كعك الشوكولاته، وعلى ذاكرتي طعم المطر، أستعيد طفولة لم تعد الأجواء تشبهها. قبل حوالي 25 عاماً، كانت طفولتي بسيطة بقدر المعطيات آنذاك. أستعدّ للدراسة بأزياء خريفية تناسب أيلول (سبتمبر)، ذو الأجواء الصباحية المشمسة والنسمات اللطيفة المميِّزة، لكن بعد انقضاء شمس الظهيرة تطلّ برودة خفيفة في الأجواء.
كطفلة وُلدت في الثمانينيات في بلدة تقع على بُعد 80 كلم جنوب الإسكندرية، لم يكن لينتهي شهر سبتمبر حتى أكون مستعدة بأثواب تزيد طبقاتها كلما اقتربت نهاية العام؛ طبقة جديدة، كل شهر.
يقول صديقي محمد، وهو كاتب شاب من محافظة المنيا، في جلسة دردشة: "لا أعلم أين اختفى جو تلك الأيام، أتذكر أن سبتمبر كان دوماً شهر بداية البرودة، وكان الصيف يبدأ في حزيران / يونيو، وكان تموز/ يوليو مضرب المثل في اشتداد الحرارة. أما الآن فقد أصبح الصيف يتمدد طولًا وعرضًا، فتبدأ تباشيره منذ نهاية شباط/فبراير ويستمر حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر، ولم يعد يوليو شهر الذروة، بل أصبحت الأشهر: يونيو ويوليو وأغسطس".
بينما في ديسمبر، كنت أجد مشكلة عند الاحتفال بعيد ميلادي الذي يحلّ في الأسبوع الأول منه؛ إذ يكون الطقس باردًا جدًا مصحوبًا بأمطار غزيرة، فأقضيه في السرير أشاهد مسلسل الساعة السابعة مع كوب من الشاي. لكن ذلك الجو انتهى منذ عدة سنوات، فأصبح ديسمبر ذا جو خريفي دافئ نهاراً، ومائل للبرودة ليلاً، ولم يعد من المميَّز أن نأكل "الآيس كريم في ديسمبر".
ذكريات صيف بلا تكييف
أتذكر اليوم الذي دخلت فيه بيتَنا "مروحة السقف"، كانت إعجازًا، فلم يكن الجو وقتها يتطلّب وجودها. كان بيتنا القديم قبل 30 عامًا بسقف مرتفع، وغرف واسعة، وإضاءة وتهوية جيدتين. تحيط بنا المساحات الخضراء أكثر من المنازل، فيصبح الصيف والإجازة المدرسية السنوية فرصة للعب طوال الليل والنهار في الشارع دون عناء، ولقطف زهور الفل والياسمين والاحتفاظ بها في جيوبنا، وفرك أيادينا بأعواد الريحان.
ذكريات الإجازة السنوية تحمل لدي الكثير من المرح: ركوب الدراجة، السباق مع الأطفال بالجري في الشارع، القفز على أكوام من القش أو الرمال الصفراء المستخدمة في البناء، دق أجراس أبواب الجيران ثم الركض. كل تلك الذكريات تأتي مع الصيف، وقتما لم نملك مشكلة تتعلق بدرجات حرارة تتخطى الأربعين، كما يحدث الآن، لتجعلنا حبيسي المنازل ورهائن للتكييف.
أما في الشتاء، فكانت رفيقتنا "الطرمبة"، وهو حذاء بلاستيكي ثقيل يحمينا من الطين في الشوارع الغارقة بعد أمطار متوسطة، باتت تختفي عامًا بعد عام. لا تزال رائحة شتاء التسعينيات واليوسفي والبرتقال والجوافة في أنفي، ولا تزال سخونة سلطانية العدس من يد أمي في كفّي. كما لا يزال ركضنا في الشارع تحت المطر وتذوّقنا لطعمه، ونحن نفتح أفواهنا إلى السماء ونخرج ألسنتنا، حاضرًا في فمي.
أتذكر طفولتي وأنا تعلو شفاهي ابتسامة، تنتهي عندما أنظر إلى مؤشّر درجة الحرارة في اللابتوب وقد تخطى الأربعين بأربع درجات.
في طفولتي درست طقس مصر، وكانت الجملة الأشهر فيه والتي أصبحت مثار سخرية جيلي عندما كبرنا: "جو مصر معتدل صيفًا، دافئ ممطر شتاءً"، لتتحوّل إلى: "حار جحيمًا صيفًا، صقيع قارس شتاءً".
ما أحدثته الثورة الصناعية في القرن الماضي، وتمدُّن الريف واختفاؤه رويدًا رويدًا مع الانهيار الاقتصادي في مصر واضطرار الناس إلى التخلي عن أراضيهم الزراعية للبناء عليها، أوجد مستويات جديدة من الملوثات انتشرت في الجو، فرفعت من نسب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما سبب تأثيراً فى شعورنا بالحرارة والبرودة على مدار السنوات الماضية، ولا نزال نشهد آثار تلك الثورة كلما تقدّمت الصناعات بشكل أكبر.
والغريب أن حالة المزاج السيء التي تصيبني وتصيب بعضًا من أصدقائي عندما تأتي تباشير الصيف صار لها اسم: "الحزن الإيكولوجي". وقيل إنه يصيب النساء بشكل كبير، خاصة عندما تزيد درجة الحرارة عن 30 مئوية.
شتاء بلا ياسمين أو عدس
ليست طفولتنا وحالتنا النفسية والعقلية فقط هي ما تأثر نتيجة تغيّر المناخ خلال العشرين عامًا الماضية، فالترع وقنوات الري في مدينتي شمال دلتا مصر والقرى المجاورة لها شهدت تغيرًا كبيرًا. بينما أنا الآن أسكن فوق مجرى ترعة قديمة كانت تغذي المدينة شمالًا، كان عرضها حوالي 20 مترًا وطولها يتخطى الكيلومتر، تأتي من ترعة المحمودية جنوبًا، لتنتهي في القرى المجاورة لمدينتنا، فتوزّع نسبة لا بأس بها من المياه على الفلاحين في أراضيهم. لكن الترعة جفّت يومًا بعد يوم، ثم رُدمت.
هذا البيت ـ الحديث نسبيًا ـ يقع على مقربة من بيتنا القديم؛ لكن مع فارق، وهو أن سماكة جدران البيت الجديد أقل من القديم، فنُضطر إلى غلق النوافذ نهارًا في الصيف هربًا من الحرارة، وإغلاقها ليلًا في الشتاء اتقاءً لبرودة قاسية.
إذا كان شتاء طفولتنا نستطيع التغلب عليه بسلطانية من شوربة العدس وجوارب من الصوف، فالآن لا تفلح طبقات متعددة من البطاطين، ولا عدة جوارب فوق بعضها، ولا عدة سلطانيات من العدس. لم يعد صيفنا يحمل أزهار الياسمين بل صيانة التكييف والاختباء من شمس النهار، أما الشتاء فانخفضت درجات الحرارة عن العشر درجات، واختفى دفؤه المميَّز وبرتقاله اللذيذ وعدسه الدافئ وكعك الشيكولاته مع الشاي.
ربما لم يعد المطر يزورنا كما اعتدنا، ولم تعد شمس الشتاء تمنحنا دفئها، لكن بين حبة برتقال وأعواد الريحان وذكريات لعب تحت السماء، يظل في القلب مكان محفوظ للطفلة التي كانت تفتح فمها نحو السماء لتلتقط طعم الذكريات.
