عرضت قناة الإخبارية السورية الأحد فيلمها الوثائقي "ردع العدوان.. ما لم يرو من قبل"، بعد عام كامل على سقوط نظام الأسد، بوصفه وثيقة تسعى إلى تأريخ مرحلة حاسمة في تاريخ سوريا، وتقديم رواية لما جرى خلف الكواليس باعتبارها جزءاً من هندسة المعنى السياسي في البلاد.
ويمتد الفيلم نحو ساعتين وهو متاح أيضاً عبر منصة "يوتيوب"، مما يخرج هذا التوثيق من حدود الشاشة المحلية إلى فضاء تداول أوسع، حيث تتحول الكواليس إلى مادة قابلة للاقتباس والمقارنة وتغدو التفاصيل التي يعرضها نقاط ارتكاز في نقاش عام يتجاوز الداخل السوري.
من البدايات إلى دمشق
يفتح الفيلم حكايته بصوت الرئيس السوري أحمد الشرع، من مرحلة يصفها بزمن الضعف والتراجع خلال العامين 2019 و2020، وهنا يقول الشرع: "أكثر ما تعلمت منه هو المعارك التي خسرتها"، ليتحول الانكسار إلى نقطة البداية، ثم ينتقل الفيلم إلى مرحلة التحضير التي يقدمها كعمل طويل وممنهج، قبل أن يصل إلى انطلاق "ردع العدوان" بوصفها لحظة تنفيذ لما سبق وساعة الصفر التي جاءت بناءً على قرار موحد بأن الحسم لن يأتي إلا عبر القرار العسكري بعيداً عن السياسة والتفاوض والتدخل الخارجي.
ومن هناك يتتبع الفيلم مسار المعركة من تحرير أول منطقة، وتقسيم المقاتلين وجمع الفصائل والقتال عبر أكثر من محور، وصولاً إلى دخول حلب ثم التقدم عبر مدن كانت تحت سيطرة النظام السابق، حتى لحظة إعلان سقوط دمشق، مع اعتماد على شهادات مشاركين في التخطيط والتنفيذ، ولقطات ميدانية تستخدم كقرائن داخل السرد.. ويركز المحتوى على أهمية بث الشائعات والتشويش على قرارات قوات الأسد وأهمية الانتصار المعنوي قبل الانتصار الميداني كدافع أساسي للاستمرار بدلاً من التوقف، وهو ما أعطى بعداً مفاده أن ما حدث جمع بين التحضير لمعركة صغيرة لحماية مناطق المعارضة، وبين قرار نوعي وحاسم بالتقدم نحو الجنوب لتحرير باقي المدن وإسقاط النظام.
غرفة العمليات الرئيسية
ويضع الفيلم ما يجري خارج ساحة القتال المباشرة في قلب الحكاية، إذ يفتح نافذة على غرفة العمليات الرئيسية، وعلى محادثات واتصالات وإدارة يومية للقرار ويقدمها بوصفها مادة موثقة بالصورة.
ويعرض الفيلم مشهداً على جبل قاسيون يظهر فيه شقيق أحمد الشرع، ماهر، إلى جانبه مع العبارة التي ترد في الفيلم: "قفي يا دمشق، آن لك أن تقفي يا دمشق"، بوصفها خاتمة ذات وظيفة رمزية، قبل الانتقال إلى مشاهد فتح السجون، وهي مشاهد يضعها الفيلم ضمن سرديته كإشارة إلى نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة.
غرفة العمليات
يركز الفيلم على غرفة العمليات بوصفها مركز السرد، المكان الذي تتجمع فيه الخيوط وتدار منه المحاور وتنسق القرارات، بما يمنح الحكاية هيئة مؤسساتية واضحة، عبر ما يعرضه من شاشات وخرائط وتنظيم وتسلسل قيادة، ويجعل سؤال كيف أُديرت المعركة جزءاً من المعنى السياسي الذي يتشكل في ما بعد المعركة.
ويمكن فهم هذا الاختيار على مستويين متداخلين، الأول وثائقي يستجيب لفضول الجمهور تجاه ما يجري عادة خلف الأبواب المغلقة أثناء المعركة التي حررت سوريا من قبضة حكم ديكتاتوري استمر لأكثر من ٥ عقود، والثاني خطابي يعيد إنتاج صورة قوة منظمة قادرة على الإدارة، من خلال لغة التكنولوجيا والانضباط وطريقة ترتيب المشاهد.
ضمن هذا البناء، تصبح التفاصيل البصرية رسالة بحد ذاتها، إذ يوحي مشهد غرفة العمليات بترتيبه وهدوئه والتقنيات الموجودة فيها بوجود بنية قيادة موحدة وقدرة على ضبط القرار وتقديم العمل العسكري كجزء من مؤسسة وجدت قبل تشكيل الحكومة الانتقالية.
أبطال الفيلم
يعتمد الفيلم على ظهور الشخصيات التي شاركت في التخطيط والتنفيذ، ويقدم مجموعة من الأسماء التي باتت تشغل مواقع في الحكومة الانتقالية، من بينها الرئيس أحمد الشرع، ووزير الداخلية أنس خطاب ووزير الدفاع ومرهف أبو قصرة ونائب وزير الدفاع محمد خير حسن شعيب، ورئيس هيئة الأركان نور الدين نعسان، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، وقائد الفرقة 44 العميد عبد الرحمن الخطيب، إضافة إلى قادة آخرين.
ويساهم اجتماع هذه الوجوه في سرد شهادة عن المعركة و يرسم أيضاً خريطة السلطة الحالية، لأن من يتحدث هنا بصفته شاهداً، يظهر في الوقت نفسه بصفته مسؤولاً، مما يرسخ معنى انتقال القرار من زمن الحرب إلى زمن الدولة. ويربط بين مواقع هؤلاء داخل غرفة العمليات وبين مواقعهم الحالية، فيظهر الكواليس كمساحة تأسيس للنخبة الحاكمة وكفضاء عسكري غير معزول عن السياسة.
صناعة المركز
ويقدم الوثائقي الرئيس السوري أحمد الشرع بوصفه مرجعاً للقرار ومهندساً للعملية ومخططاً استراتيجياً وعسكرياً وقائداً، ويعزز هذا التقديم عبر الجمع بين صورتين: مقابلة حديثة يظهر فيها كرئيس انتقالي، ولقطات توثيقية يظهر فيها بالزي القتالي خلال المعركة وما قبلها، بحيث يصبح التناوب البصري نفسه جزءا من الانتقال الزمني الذي يربط تحول قوات المعارضة من قيادة الحرب إلى قيادة الدولة.
ويفتح هذا التمركز تأويلين أحدهما سردي يختار مركزاً واضحاً لتسهيل متابعة قصة كبيرة، والآخر سياسي يعيد توزيع البطولة داخل السلطة الجديدة، عبر تثبيت معنى النصر في عقدة قيادة واحدة، مع إبقاء الأدوار الأخرى في مستوى الدعم أو التنفيذ ضمن المشهد العام.
ويضيف الفيلم إلى ذاكرة "ردع العدوان" ككل طبقة لم تكن متاحة على هذا النحو من قبل عبر ما يعرضه من من مقاطع أرشيفية ممزوجة مع مقاطع تمثيلية، وهي مواد تمنح المشاهد فرصة للعودة إلى الحدث من زاوية كيف جرى لا من زاوية ماذا جرى فقط، وتحول بعض التفاصيل المعروضة إلى نقاط مرجعية في سردية ما بعد السقوط.
وتبقى أسئلة الكلفة المادية والبشرية للمعركة في مساحة أضيق، إذ لا يبدو أن العمل معنياً بتقديم حسابات أو تقديرات أو قوائم بقدر انشغاله بتقديم رواية داخلية عن إدارة المعركة، مع تضمين إقرار رمزي بثمنها عبر التأكيد على أن ما تحقق ارتبط بدماء من سقطوا وبوعد بالحفاظ على ذكراهم ضمن الذاكرة العامة.
