يشهد قطاع الإعلام تحولات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي، مع انتقال بعض المؤسسات من استخدام أدوات محدودة إلى إعادة التفكير في طريقة عمل غرف الأخبار نفسها. وجاء الإعلان عن مشروع "النواة"، الذي أطلقته شبكة "الجزيرة"، بوصفه نموذجاً يسعى إلى دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل إنتاج الأخبار، ضمن منظومة تشغيلية متكاملة تبدو من التجارب الأولى من هذا النوع في العالم العربي.
وأُعلن عن مشروع "النواة" ضمن شراكة تقنية مع "غوغل كلاود"، التي ستتولى دور المزود التقني الرئيسي. وتهدف الشراكة إلى إعادة بناء دورة العمل الصحافي من الأساس، عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في مراحل جمع المعلومات، وتحليل البيانات، وإدارة سير العمل، وصولاً إلى إنتاج المحتوى وتوزيعه. ويقوم النموذج على فصل واضح بين الدور التحريري والدور التشغيلي، بحيث يحتفظ الصحافي بمسؤوليته المهنية، بينما تتولى الأنظمة الذكية المهام التقنية المعقدة.
ويعكس المشروع توجهاً يتجاوز الاستخدام الأداتي للتكنولوجيا، نحو بناء نموذج تشغيلي معرفي متكامل. فبدل الاعتماد على أدوات متفرقة للبحث أو التلخيص أو الترجمة، يجري توحيد هذه الوظائف ضمن منظومة واحدة تعمل بشكل متكامل داخل غرفة الأخبار. ويهدف التنظيم إلى تحسين الكفاءة، وتسريع اتخاذ القرار، وتقليل الوقت المستغرق في معالجة المعلومات، في بيئة إعلامية تتسم بتدفق هائل للبيانات وتعدد مصادر الأخبار.
والدور التقني الذي تؤديه "غوغل كلاود" في المشروع يشمل توفير بنية حوسبة سحابية متقدمة، إلى جانب أدوات ذكاء اصطناعي مخصصة للعمل المؤسسي. وتشكل حلول "Gemini Enterprise" جزءاً أساسياً من المنظومة، حيث تُستخدم لدعم الإنتاجية، وتحليل المحتوى، وإدارة المعرفة، بما يتيح للفرق الصحافية والإدارية التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات بصورة أكثر تنظيماً وفاعلية.
ويتكون المشروع من ستة محاور مترابطة تشكل معاً الهيكل التشغيلي للنموذج الجديد. في قلب المنظومة تأتي منصة "الجزيرة الآن – AJ Now" بوصفها المركز الإخباري الذي تُدار من خلاله عملية التغطية، مع الاستفادة من أدوات ذكية لاقتراح الأسئلة وزوايا التناول وصياغة الملخصات. إلى جانب ذلك، تعمل منصة "AJ-LLM" كنواة تحريرية تعتمد على نموذج لغوي ضخم جرى تطويره باستخدام أرشيف الجزيرة، بما يوفر سياقاً معرفياً متماسكاً يدعم العمل التحريري.
وتشمل المنظومة مركز "رؤية AJ" للإنتاج الإبداعي، الذي يعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج محتوى بصري وتفاعلي، إضافة إلى "بحيرة بيانات AJ" التي تهدف إلى تعزيز الصحافة القائمة على البيانات عبر تحليل الاتجاهات وبناء لوحات معلومات تنبؤية. ويكتمل هذا الإطار بمحرك للعمليات يركز على أتمتة سير العمل الداخلي، وذراع أكاديمية تُعنى بتدريب الصحافيين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن بيئة العمل اليومية.
وفي إطار أوسع، تفتح التجربة نقاشاً يتجاوز حدود مؤسسة إعلامية بعينها، ليشمل مستقبل غرف الأخبار في العالم العربي. فإدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمل الصحافي لم يعد مسألة تقنية فقط، بل خياراً تنظيمياً ومهنياً يفرض أسئلة تتعلق بدور الصحافي، وحدود الأتمتة، وآليات الحفاظ على المعايير التحريرية. وبين الفرص التي تتيحها هذه التقنيات لتحسين الكفاءة وجودة المحتوى، والتحديات المرتبطة بالتحيز والاعتماد على الخوارزميات، تبدو غرف الأخبار العربية أمام مرحلة انتقالية قد تعيد صياغة شكل الصحافة ودورها في السنوات المقبلة.
