تلميذات في طرابلس يرفضن الاحتفال بالكريسماس:"عيد المُشركين"

راغب مليالسبت 2025/12/20
Image-1766226972
الكريسماس في بيروت (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس ممكناً التعامل مع الفيديو الذي صوّر داخل إحدى المدارس في طرابلس وانتشر على نطاق واسع بوصفه تصرفاً شخصياً ناتجاً عن "سوء تقدير"، ولا يمكن تبريره بخطأ فردي معزول. فطريقة التصوير، وطبيعة الأسئلة الموجهة، وتسلسل الأجوبة، وتوقيت النشر، تشكل معاً عناصر متلازمة تكشف عن عمل غير بريء، جرى التحضير له وضخه عمداً في الفضاء العام. 

 

والفيديو الذي أظهر فتيات قاصرات داخل حرم مدرسي، وهن يصفن الاحتفال بعيد الميلاد بأنه "تشبه بالكفار" و"عيد للمُشرِكين"، ليس فعلاً ارتجالياً، بل ممارسة لها هدف ورسالة، استغل فيها الأطفال، بفعل ينتهك خصوصيتهم ويعرضهم للخطر، لتمرير خطاب كراهية وأدلجة يتجاوز أعمارهم ووعيهم.

 

 

وفيما أثار الفيديو ردود أفعال واسعة، وترافق مع تحرك قضائي وبيانات توضيحية من إدارة المدرسة، فإن جوهر القضية لا يختزل بإجراءات إدارية أو مسلكية، بل يكمن في مضمون الخطاب الذي جرى تمريره، وفي الطريقة التي جرى فيها استدراج أطفال إلى التعبير عن مفاهيم ذات حمولة أيديولوجية خطيرة.

 

من حيث المبدأ، الامتناع عن الاحتفال بأي مناسبة دينية هو حق شخصي كامل، كما أن الاحتفال بها حق شخصي كامل أيضاً، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الخيار الشخصي إلى توصيف للآخر، وحين يستبدل الاختلاف الديني بالتكفير، بما يحمله هذا الوصف من نتائج خطيرة على المجتمع، وبما يزرعه في عقول الأطفال من مفاهيم إقصائية خطيرة تقدم لهم كحقائق دينية نهائية، في مرحلة عمرية يكون فيها الوعي في طور التشكل، ما يجعل هذا الخطاب ترسيخاً مبكراً لمنطق نفي الآخر بدلاً من قبول الاختلاف.

 

وصف من يحتفلون بالكريسماس بـ"الكفار" ليس توصيفاً دينياً بريئاً، بل مصطلح يحمل دلالات شديدة الخطورة لأن الوصف هو أحد الأعمدة الأساسية في خطاب الجماعات التكفيرية، التي لا تكتفي باعتبار الآخر مختلفاً، بل تضعه في خانة الإدانة الوجودية. تاريخياً وواقعياً، استخدم هذا المفهوم لتبرير الإقصاء والتحريض، وصولاً إلى اعتبار من يصنف "كافراً" هدفاً مشروعاً للعنف.

 

وعندما تزج مفردات التكفير في الخطاب العام ويتعامل معها كأنها توصيف مشروع، فإن الاختلاف الديني يتوقف عن كونه تعبيراً عن تنوع، ويصبح أداة لتجريد الآخر من شرعيته وحقوقه الأساسية، خصوصاً في مجتمعات مأزومة ومنقسمة على نفسها بفعل الطائفية وغياب الهوية الوطنية.

 

وإلى جانب خطورة الخطاب، تبرز مسألة شديدة الحساسية هي انتهاك خصوصية الأطفال وتعريضهم لمخاطر حقيقية. فالفتيات اللواتي ظهرن في الفيديو لم يخترن الظهور العلني، ولم يدركن أن ما قيل أمام كاميرا هاتف قد يتحول إلى مادة سجال واسع. ما جرى هو استدراج واضح: أسئلة موجهة، تصوير مقصود، ثم نشر واسع، في فخ نصب للأطفال من قبل المصور ومن يقف خلفه، من دون أي اعتبار لسلامتهم/ن النفسية أو الاجتماعية.

 

ومع أي ردود أفعال متشنجة أو حملات كراهية مضادة، فإن الفتيات اللواتي ظهرن في الفيديو سيكنّ أول من يتعرض للاستهداف لأن وجود وجوههن وأصواتهن في الفضاء الرقمي يجعلهن عرضة مباشرة لهجوم لفظي واسع، وخطاب كراهية، وتنمر وتحريض، وهي أمور لا تبقى محصورة في الشاشات. ففي بيئة مشحونة، ومع كل خطاب تطرف يقابله خطاب تطرف مضاد، تنتقل المخاطر من المستوى الرقمي إلى الواقع، حيث قد يتعرض هؤلاء القاصرون لأذى نفسي واجتماعي، وربما لخطر فعلي، وهم غير مدركين أصلاً حجم ما أقحموا فيه أو تداعياته.

 

أما بعض وسائل الإعلام، فأخفق في تحمل مسؤوليته المهنية والأخلاقية عبر التعاطي مع الفيديو بوصفه مادة جاذبة لاستقطاب القراء وزيادة عدد النقرات والمشاهدات. فإعادة نشر المحتوى والترويج له بعناوين مستفزة تهدف إلى دفع الجمهور للضغط على الروابط، حولت القضية من موضوع يستوجب المعالجة النقدية إلى مادة استهلاكية تستخدم لرفع نسب التفاعل، بدلاً من مساءلة مضمونها وسياقها.

 

في مثل هذه الحالات، لا يكون الإعلام وسيطاً محايداً، بل يتعامل مع محتوى يتضمن إشكالات خطيرة، من خطاب كراهية وتحريض إلى انتهاك خصوصية قاصرين. وأي نقل غير نقدي لهذا النوع من المواد يتحول، بحكم الواقع، إلى خدمة للرسالة نفسها عبر توسيع انتشارها وتعزيز التفاعل معها، مهما كانت النوايا المعلنة.

 

في الخلاصة، القضية لا تتعلق بعيد الميلاد، ولا بخيار ديني فردي، بل بإدخال خطاب التكفير إلى المجال العام، وباستغلال الأطفال كأداة لتمريره، وبفشل أخلاقي وإعلامي في حماية القاصرين وتفكيك المحتوى بدلاً من تطبيعه. الأخطر من الفيديو نفسه هو التعامل معه كحادثة يمكن تجاوزها أو تبريرها، بدلاً من مواجهتها بما تحمله من دلالات خطيرة على المجتمع ككل.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث