بدأت وزارة العدل الأميركية نشر وثائق طال انتظارها من التحقيق في قضية المجرم الجنسي الراحل جيفري إبستين والتي قد تكون لها تبعات سياسية. ومن المتوقع أن تسلط السجلات الضوء على علاقات إبستين مع كبار رجال الأعمال والمشاهير والسياسيين، بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب.
ويظل من غير الواضح كيفية اختيار الوثائق المنشورة بالنظر إلى أن إدارة ترامب تشرف بشكل كامل على العملية. وتضمنت المجموعة الضخمة من الوثائق سبع صفحات تحتوي على أسماء 254 تم حجبها بالكامل بحجة "حماية معلومات ضحية محتملة"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".
وتضمنت العديد من الصور التي لم تنشر من قبل، ومنها صورة تظهر الرئيس الأسبق بيل كلينتون وهو يبدو أصغر سناً مستلقياً في حوض استحمام ساخن، مع إخفاء جزء من الصورة بواسطة مستطيل أسود. وتظهر صورة أخرى كلينتون وهو يسبح مع امرأة ذات شعر داكن يبدو أنها شريكة إبستين، غيلاين ماكسويل. وتظهر ماكسويل في صورة منفصلة مستلقية مع الأمير السابق أندرو على أقدام خمسة أشخاص.
ويرد اسم ترامب في دفتر اتصالات تم العثور عليه في الملفات، لكن من غير الواضح لمن يعود الدفتر. وماطل ترامب الذي كان صديقاً مقرباً لإبستين، لأشهر لمنع نشر السجلات المتعلقة بالتحقيق مع المعتدي الجنسي الذي وجد ميتاً في زنزانة بسجن في نيويورك العام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الاتجار بقاصرات.
لكن الرئيس الجمهوري خضع في نهاية المطاف لضغوط الكونغرس، بما في ذلك من نواب حزبه، ووقع قانوناً الشهر الماضي يلزم بنشر الوثائق. وأمهل الكونغرس الإدارة حتى يوم الجمعة لنشر السجلات. وقال المسؤول الكبير في وزارة العدل تود بلانش: "أتوقع أن ننشر مئات الآلاف من الوثائق اليوم"، مضيفاً أنه سيتم نشر "مئات الآلاف" من الوثائق الإضافية "في الأسابيع المقبلة".
وأكد بلانش أن للوزارة كامل الصلاحية في حجب الأسماء والمعلومات الحساسة، وسيتم تعديل الوثائق جزئياً لحماية مئات من ضحايا جيفري إبستين. كما أشار المحامي الشخصي السابق لدونالد ترامب إلى أنه لا يتوقع إصدار أي لوائح اتهام جديدة في الفضيحة التي تهز الولايات المتحدة منذ سنوات.
وأثار قرار نشر الوثائق على مراحل غضب زعيم الديموقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر الذي أشار إلى أن القانون "واضح تماماً" ويفرض على الحكومة كشف "جميع الوثائق" بحلول منتصف الليل، وليس جزءاً منها فقط. وأضاف شومر في بيان: "هذا ببساطة يوضح أن وزارة العدل ودونالد ترامب ووزيرة العدل بام بوندي يريدون فعل كل ما في وسعهم لإخفاء الحقيقة" حول الفضيحة.
وقال ديموقراطيون آخرون في الكونغرس أن الحكومة حجبت مسودة لائحة اتهام أعدت بعد اعتقال إبستين العام 2019، مشيرين إلى أنها تورط "رجالا أثرياء ونافذين آخرين كانوا في جزيرة إبستين للاغتصاب". وعلق كبير موظفي مكتب الرئيس الاسبق كلينتون، آنجيل أورينا، على الملفات التي تم الكشف عنها حديثاً بالقول أن البلاد "تتوقع إجابات، لا أكبش فداء". وأضاف أورينا: "لم يقم البيت الأبيض بإخفاء هذه الملفات لأشهر ثم قام بنشرها في وقت متأخر الجمعة لحماية بيل كلينتون. الأمر يتعلق بحماية أنفسهم".
وتحمل اللحظة حساسية شخصية وسياسية هائلة بالنسبة لترامب حيث كان الرئيس صديقاً شخصياً مقرباً لإبستين، حيث كانا يترددان على نفس الأوساط الاجتماعية في بالم بيتش ونيويورك خلال التسعينيات، وكانا يظهران معاً في الحفلات لسنوات. وقطع ترامب علاقته بإبستين قبل سنوات من توقيفه العام 2019، ولم يتهم بارتكاب أي مخالفات في القضية، لكن قاعدته الجماهيرية اليمينية أظهرت اهتماماً كبيراً منذ فترة طويلة بقضية إبستين ونظريات المؤامرة حول إشرافه على شبكة للاتجار بالجنس لصالح نخبة العالم.
ورغم أنه خاض حملته الانتخابية العام 2024 واعداً بتوخي الشفافية الكاملة بشأن هذه القضية، إلا أن ترامب تلكأ لفترة طويلة في تنفيذ وعده، واصفاً القضية بأنها "خديعة" دبرتها المعارضة الديموقراطية، ودعا الأميركيين إلى طي صفحتها.
وفي تموز/يوليو، أعلنت وزارة العدل مع مكتب التحقيقات الفيدرالي "اف بي آي" أنهما لم يعثرا على أي عنصر جديد من شأنه أن يبرر نشر مستندات إضافية أو البدء بملاحقات جديدة. وأثار الإعلان سخط أنصار ترامب المتشددين الذين يرفعون شعار "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً". ثم خاض ترامب معركة مع الكونغرس بشأن مساعي نشر السجلات.
وماكسويل، شريكة إبستين السابقة، هي الشخص الوحيد الذي أدين في القضية، وإن كان مؤيدو ترامب يعتقدون منذ سنوات أن مجموعة كبيرة من السياسيين الديموقراطيين وما يسمونه "الدولة العميقة" ونجوم هوليوود متواطئين معه. وتقضي ماكسويل (63 عاماً) عقوبة بالسجن لمدة 20 عاماً بتهمة استقطاب فتيات قاصرات لصالح إبستين الذي اعتبرت وفاته انتحاراً.
وبالنسبة للجمهور والضحايا، يمثل نشر الملفات فرصة لتسليط الضوء على الفضيحة. وتوضح السجلات المنشورة كيف كان إبستين يعمل، ومن ساعده، ولماذا تأخر المدعون العامون لسنوات قبل توجيه الاتهامات له.
