عاد التعميم رقم 17 الصادر عن وزارة العدل إلى الواجهة خلال الأيام الماضية، بعد أن بدأ مستخدمون في وسائل التواصل نشره مجدداً، مرفقاً بعبارات مثل "الأم تفقد حق الوصاية" و"وداعاً للوصاية الشرعية"، في موجة تضليلية أعادت فتح النقاش حول الولاية على القاصر، ومعه السؤال الأوسع عن موقع المرأة ضمن قانون الأحوال الشخصية المعمول به ومدى اتساق هذا القانون مع مبادئ المساواة والعدالة.
وفي لقاء مع "المدن"، قال المحامي السوري عادل خليان: "لا يقدم التعميم الصادر في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر2025 تعديلاً تشريعياً ولا ينتج حقاً جديداً أو يلغيه؛ بل يعيد تنظيم مسار كانت المحاكم الشرعية تلجأ إليه خلال السنوات الأخيرة أثناء الثورة السورية، حين كانت تقرر تعيين وصي خاص للقاصر بهدف استخراج جواز سفر أو الحصول على إذن الخروج من البلاد، وهي ممارسة نشأت في ظل ظروف الحرب وتشتت الأسر وغياب كثير من الآباء بين الاعتقال والنزوح والسفر، قبل أن تعمد الوزارة إلى وقفها بوصفها مخالفة لمفهوم الوصاية في قانون الأحوال الشخصية، وإلى تحويل المعاملة إلى "الولي على النفس" وفق ترتيب العصبة من جهة الأب.
الولاية على القاصر
الجدل واللغط الدائر اليوم لا يتعلق بالتعميم بقدر ما يكشف الخلل الجوهري في البنية القانونية نفسها، كما يكشف أيضاً قلة المعرفة الجمعية بقوانين الأحوال الشخصية المعمول بها أو حتى القدرة على تفسيرها. وينص قانون الأحوال الشخصية على أن الولاية على نفس القاصر وماله تعود حصراً للأب ثم للجد العصبي، بينما لا يمنح الأم صفة الولي حتى لو كانت الحاضنة والمعيلة الوحيدة، الأمر الذي يجعل أي معاملة رسمية تخص القاصر، من جواز السفر إلى سائر الوثائق، رهينة موافقة "الولي الذكوري"، ويحوّل الأم إلى طرف يحتاج لإثبات إضافي أو استثناء قضائي يتيح لها تمثيل طفلها أمام الجهات الرسمية.
أما عن عبارة "وداعاً للوصاية الشرعية" فهي بحسب خليان الأكثر تضليلاً، لأنها توحي بأن المؤسسة القانونية للوصاية زالت من قانون الأحوال المدنية، إلا أنه في الواقع تم إيقاف استخدامها في ملف واحد هو استصدار جواز السفر للقصر، بينما ظلت الوصاية قائمة كتنظيم يتعلق بإدارة مال القاصر عند غياب الولي، ولم يمسها التعميم لا من حيث المفهوم ولا من حيث التطبيق، في حين بقيت الولاية على النفس، وهي اللب المقصود في معاملات السفر، محصورة بالأب والجد والعصبة على الترتيب.
مراجعة جندرية
وتكمن المشكلة إذن في قانون أحوال شخصية لم يخضع لمراجعة جندرية حقيقية، ولم يطوّر مفهوم الولاية بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية خلال الحرب وبعدها، ولا مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز، فالقانون ما زال يعكس بنية أبوية تجعل تمثيل الطفل أمام الدولة حكراً على خط القرابة الذكوري، وتضع الأم مهما كان دورها في الإعالة والرعاية خارج دائرة الولاية، وهي فجوة تظهر حدتها كلما تعلق الأمر بالسفر ولمّ الشمل والتعليم، والعلاج وجميع المعاملات التي تتطلب وجود ولي حاضر وموافق.
ويكشف الجدل الذي أحاط بالتعميم رقم 17، بكل ما حمله من التباس وتضليل واستقطاب، أن المشكلة لا تتعلق بآلية إجرائية ضبطتها وزارة العدل، بل ببنية قانونية ما زالت تتعامل مع المرأة بوصفها طرفاً "ناقص الأهلية" في تمثيل أطفالها أمام الدولة ويفترض أنها رغم قربها العاطفي ورعايتها اليومية ومسؤوليتها المباشرة، ليست جديرة بمنحها الولاية على أبنائها، بينما يضع هذا الحق في يد الجد أو العم أو أي قريب من جهة الأب، مهما كانت درجة القرب أو طبيعة العلاقة أو حضورهم في حياة الطفل، وهو منطق يرسخ رؤية أبوية لا تنسجم مع أبسط معايير العدالة التي تفترض أن الأم أياً كانت الظروف ليست أقل أهلية ولا أقل حرصاً ولا أقل محبة لأطفالها من أي ذكر داخل سلسلة العصبة.
وتغيير هذا الواقع لا يمر عبر التعميمات الإدارية، بل عبر مراجعة قانون الأحوال الشخصية نفسه، وهو قانون يحتاج إلى إرادة تشريعية وتعديل صريح يضع الأم في موقع الولاية، لا في هامش الحضانة، غير أن هذه المهمة تصطدم اليوم بمجلس شعب يغلب عليه الطابع الذكوري، ولا يعبر في تركيبته ولا في أولوياته عن التجربة الواقعية للنساء داخل الأسرة، ما يجعل إصلاح القانون مهمة مؤجلة داخل بنية سياسية ترى المساواة بوصفها رفاهية يمكن الالتفاف عليها، ولذلك يبقى الجدل حول التعميم مجرد واجهة، فيما تكمن المشكلة الحقيقية في قانون لم يعد يواكب المجتمع ولا يعترف بالمرأة شريكاً كاملاً في حقوق أبنائها، وهو ما يجعل كل نقاش مقبل حول العدالة ناقصاً ما لم يبدأ من هنا.
