نبذ اجتماعي، هجوم منسّق، اتهامات تمسّ الوطنية... هذا ما أجابهه حين أُبدي شيئاً من رأيي السياسي في ما يجري اليوم في بلدي. لطالما تلطّى التوجس خيفةً خلف أفواه تُنذر بكلماتٍ تبدو لطيفة إلا أنها تخفي أشواكاً يتمترس خلفها فكرٌ متطرف. لا يذهب ذهنكم إلى الدين، فالدين ليس غاية المقال، لكنه أحياناً إحدى الوسائل التي يبرر بها متطرف الفكر عدم اعتداله، وهو شمولي لا يقتصر على منحى واحد. أقدّم إليكم أيها السادة "البرشلوني" المتطرف لفريقه، مغالياً في مسخ بقية فرق كرة القدم. ولا أستبعد أنه، نفسه، يطبّق شططه على كل مفاصل الحياة، يعجز معه أي نقاش، إن خالفته فحتماً أنت الخاسر الأكبر: كافر إن كان النقاش دينياً، جاهل إن كان السجال ثقافياً، خائن إن كان الموضوع سياسياً...وهكذا.
في منصّات التواصل الاجتماعي،تطفو على السطح حريّة التعبير بأشكالها كافة، النقد والكره والحب والإعجاب، حتى الاشمئزاز يستمتع روّاده بالحريّة المطلقة للتعبير عنه. والفكر المتطرف قد يُلتمس في أي مناسبة. ضمن منشور في الفضاء الأزرق، يمكن لنا القبض على ثلّة من أتباع هذا الفكر "صعب المِراس"، وخير مثال هم "الكمّونيون". تجد حزب" الكمّون" مستشرساً كجنديٍّ مقدام يدافع عن قلاعه، وفي كلّ مرّة يوجّه أبناء محافظة حلب منجنيقهم لتدمير الأسوار التي يرمّمها الشامي ويعليها على الدوام ويحفر بإزميل الثبات في أعلاها "من لا يضع الكمّون للمحشي، لا يفقه من الطبيخ شيئاً"، وترى مناهضي "الكمّون" يسحبون باب القلعة ليعيدوه إلى ديارهم كونهم الأحقّ بهذه التحفة المطبخية الحلبية الأصيلة، وبالتالي يجرّون معه قوانينها، فمن "يحرّر المحشي، يقرّ قوانينه!"... وعن الأصول والفروع تتجادل بقية الطوائف/المحافظات. في حين تترفّع أنت عن التعليقات وقد وصل التطرف فيها للرُكب، تخرج منها ولسان حالك يردّد: "ماذا لو أدركوا بأني أرشّ القليل من القرفة للمحاشي؟!" وهنا مربط فرسنا: الأمن مقابل الحريّة.
كل فكر يقدّم جعبة من البراهين والإثباتات بهدف السيطرة وتوسيع رقعة النفوذ، هو فكر غير مريح، فلا مهادنة معه ولا تجاهل، يلتفّ حولك كأفعوان ليعتصر طاقتك ويبدّدها بالكامل. فتَراك مجبراً على تقديم الطاعة بالقول: "نعم، ممكن" مع ابتسامة بلهاء تناور بها مبادئك التي ترمقك بعين الازدراء. تفعل هذا كله فقط لتضمن سلامتك النفسية في أقلّ تقدير. فصاحب الفكر المتطرف، إن وصلته إشارة أنك تمثّل القناعة، يستلّ سيفه ويتتبعك كل ليلة، بعضهم بهدف إلغاء توجهاتك الخطرة على هالتهم النورانية، والبعض بهدف إصلاحك فأنت الضالّ وعليه وحده يقع واجب الهداية. وهل هناك أجمل من الطريق الصواب!
يتهدّد الأمن الشخصي ويُرغم صاحبه على مقايضته بالحريّة، كلّما اشتدت شوكة المتطرف. ومن يتصدّى، ونحن بحاجة له لخلق أدنى مستوى من التوازن، هو شجاع بطل، والأبطال قلّة يقع عليهم فرض كفاية لإنقاذ الحقّ، والحقّ كلمة عند سلطان جائر، لينعطف هنا مسار الحرية من" الكَمّون" المطبخي إلى الكُمون السياسي. فأخطر المقايضة حين تخنع الشعوب لفكرٍ تغذّى على النفوذ لاستلاب حريّتها، ونحن كما غيرنا من الشعوب المقهورة، عوّلنا على الشجعان ممن امتثلوا لمقولة ايمانويل كانط: "كن جريئاً في إعمال عقلك"، وإعمال العقل عمل مضنٍ، يجبرك على التخلّي عن الجزء الأكبر من الأنانية من أجل العدل المجتمعي. فهل يسهل على أهل يمحاض التسامح مع بني أمية برشّة كمّون في خلطة المحشي؟ وإن فعلوها، فهل سيتشاركون معهم سُفرتهم يوماً من دون معركة صحون؟ أشكّ في ذلك.
على مدى عقود ثلاثة، رسّخ الأسد الأب ضرورة محاربة التطرف الإسلامي، مختصراً إيّاه بوصمة "الإرهاب". واتسع وسم الإرهاب فغطّى كلّ من يتجرّأ ويشغّل عقله، كلّ من يخالف الأوامر، وكلّ من تسوّل له نفسه أن يكتب ما يمليه عليه المنطق، مصدِّقاً ما قرأ عن حرية التعبير وأحقيّة النقد البنّاء في إعمار الأمم المتقدّمة. هؤلاء كلهم تحت الوسم، جنباً إلى جنب مع الراديكاليين الإسلاميين. حَرص الديكتاتور على فزّاعة التطرف الديني، يرهب بها الداخل ويحوّلها شمّاعة يعلّق عليها مبررات للخارج على دمويته الممنهجة. وبعدما خطف الخميني الثورة الشعبية في إيران العام 1997، قد يدهشنا التقارب السياسي بينه وبين ديكتاتور دمشق، لا سيما أن أحداثاً مشابهة لما حصل في بلاد فارس كانت قد بدأت تطفو على السطح. فأحداث حماه-"الإخوان المسلمين"، لاقت صمتاً من الخميني الذي حرص على تصدير الثورة الإيرانية، إلا أن المصالح السياسية لخانقي الحريّات تبرّر خلط الماء بالزيت، وهذا ليس جوهر حديثنا، لكنه مثال على إزدواجية التحالف. فالتطرف الديني لدى الساسة ما هو إلا حصان رابح يُراهن عليه الجميع وفقاً لمصلحته، كما فعلت أميركا بعد 11 أيلول. إلا أنه تحالف قدر عليه أهل السياسة وعجزت عنه الشعوب، فحين طوّع الديكتاتور الدين لمصلحة تثبيت كرسيه، عجز شعبه عن ولوج جوهر الإشكالية الدينية؛ حيث أن تحميل الطائفة الحقيقة المطلقة "سيخلق انشطاراً معرفياً إنفعالياً عند معتنقيها" كما قال الدكتور مصطفى حجازي، وبالتالي يصبح الآخر مخطئاً، بل شرّاً لا بدّ من التخلص منه. حينها نلقي بكلّ قمامتنا عليه ونستمر في مطاردته.
أستعير هذا التوصيف لأطبّقه على الفكر المتطرف وليس فقط على التطرف الديني. فالطرفان يسلكان الطريق ذاته، وينعطفان بالتغيير نفسه الذي يودي إلى الهلاك... إلى أن يُولد الإرهاب الفكري، الذي يحتاج نفَساً طويلاً وحنكة، بنزع فتيله قبل أن يفجّر صاحبه صخباً يستقطب القطيع ويكوّن رأياً جمعياً مؤدلجاً يصعب تفكيكه، مفاده: "إن كنتَ من أهل الحق/الصح فأنت مؤيدي، وإلا فأنت مع أهل الباطل/الخطأ". وهي بطبيعة الحال ثقافة نشأنا عليها في الداخل السوري، حيث استجلب الديكتاتور أعتى تجربة ديكتاتورية، ألا وهي تجربة كوريا الشمالية، وبعد عودته منها كأوّل وجهة خارجية له بعد توليه الحكم؛ بدأ حافظ الأسد ترسيخ كرسيه أيضاً عبر أدلجة حزبية وعسكرة كل القطاعات وإيهام الشعب بأنه على حرب دائمة بل ومستهدف من شرّ مطلق اسمه الولايات المتحدة الأميركية"، وهذا حديث آخر يطول. وسيبقى هذا حالنا وحال كلّ دولة تحكمها القبضة الأمنية، ما إن تقتنع سلطتها الحاكمة بأن "حريّة الفكر لا تشكّل خطراً على الدولة؛ لكن القضاء على حريّة الفكر هو قضاء على الدولة." كما قال سبينوزا يوماً.
اليوم، وبعد التحرير وإسقاط النظام القمعي، نتدرب وبشكل جماعي كلّ يوم على إمساك العصا من المنتصف. العصا اليوم إما هراوة تُمسَك من أحد طرفيها، أو يتمّ قصمها بمنشار التخوين، فيتناول كل طرف عصاه السحرية التي تحوّل الآخر إلى ضفدع. أما القابضون على المنتصف بحكمة، فيخفون العصا حتى لا تظهر قبضتهم، فصاحب العقل الراجح اليوم وللأسف، يراقب من وراء قناع، لا يملك الجرأة على إبداء رأيه المعتدل. لماذا؟ لأنه لن يسلم من النخبة المثقفة من أصحاب اليمين وأصحاب اليسار، ليغدو دريئة يرمي كل متطرف فكره نحوها. وكأن القدر حكم على من وجد سبيلاً موارباً "لجرأته"، فألبسها عباءة سبينوزا خشية المخبرين الغوغائيين سابقاً، كُتب عليه مجدداً أن يحرق العباءة بما تحتها من استنكار للسوريالية العائمة في كافة مناحي الحياة السورية اليوم، مخافة حرب فكرية جامحة لا تُبقي ولا تذر.
