وجد الجيش اللبناني نفسه بمواجهة حملات شعبية داخلية، وضغوط دولية، إثر استجابته لطلب لجنة الاشراف على تنفيذ إتفاق وقف إطلاق النار "الميكانيزم"، لتفتيش نفق في بلدة تولين في الجنوب.
ومع أن المهمة التي ينفذها ليست الأولى، إلا حجم الإنتقاد الداخلي من بيئة "حزب الله" لهذا التحرك، يؤشر الى حملة بدأت تكبر ضد الجيش، مرة تحت ذريعة أنه "يستجيب للأوامر الاسرائيلية"، ومرة أخرى تحت حجة أن العدو "يريد الجيش موظفاً لديه"!
يتجاهل الجيش تلك الحملات، ويمضي في مهامه التي أوكلتها إليه السلطة السياسية. لا يكترث لتلك الحملات ولا الانتقادات التي يوجهها خصوم الحزب أيضاً له، كما يتعامل مع الحملات الإسرائيلية ضده بمنتهى الحرفية الإعلامية: فبعد الجولة الإعلامية التي نظمها لممثلي وسائل الإعلام الى المنطقة الحدودية، جمع السفراء، من مختلف مشاربهم وأطيافهم، وجال بهم على الحدود، بما يمنحه غطاء دبلوماسياً لمهامه، ولتثبيت دوره في حفظ الاستقرار، وتنفيذ قرار "حصرية السلاح" في جنوب الليطاني، تنفيذاً لتكليف الحكومة.
أضداد العالم في جولة واحدة
وللمفارقة، أظهرت الصور من جولة الدبلوماسيين، أن الجيش جمع الأضداد في جولة واحدة. فقد أظهر إحدى الصور التي نشرها الجيش، شعار دولة كندا وإيران على الطاولة التي جلس اليها الدبلوماسيون، كما أظهرت صورة السفير السعودي لدى لبنان عبد الله بخاري في الجولة.. ولاحقاً، نشرت السفارة الأميركية صورة لسفيرها لدى بيروت ميشال عيسى الى جانب قائد الجيش ضمن الجولة، كما تحدث السفير المصري عن مشاركته في الجولة، وقدمت روسيا شكراً لقيادة الجيش على هذه الجولة.. ما يعني أن الجيش جمع الولايات المتحدة وإيران وروسيا وسائر التناقضات الدبلوماسية، في جولته، في مؤشر على ثقة العالم به وبمهمته.
غطاء "حزب الله"
من هذه الأبعاد الثلاثة، تصبح الحملات ضد الجيش بلا معنى. فالجيش، في النهاية، ليس موظفاً عند أهواء ومشاعر وولاءات البعض.. وليس جزءاً من الانقسام السياسي الداخلي، ولا الأجندات الدولية. وجد نفسه بمواجهة كل تلك التناقضات، ونفذ المهام، بإصرار منه على تجنيب بيئة "حزب الله" نفسها الاعتداءات الإسرائيلية.
على مدار الأسابيع الماضية، كان الجيش يشكو لـ"الميكانيزم" عدم إستجابة إسرائيل لمطلبه بتفتيش المواقع التي تزعم تل أبيب أنها تتضمن منشآت لـ"حزب الله". إحدى تلك الشكاوى، كانت حاسمة في أول اجتماع لـ"الميكانيزم" حضرته الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، وسبق إضافة المفاوض المدني السفير سيمون كرم. كان الرد الإسرائيلي بأنه لن يبلغ الجيش عبر الميكانيزم، وأنه سيقصف الهدف الذي يراه مانسباً. شيئاً فشيئاً، مارست الولايات المتحدة ضغطاً على إسرائيل، وهو ما حصل في الاسبوع الماضي في يانوح، حين منع الجيش، بتحركه، استهدافاً لمنزل مدني تبين أنه خال من الذخائر.. وهو ما فعله اليوم حين عثر على نفق خال من الأسلحة في بلدة تولين، وقبلها بأشهر، حين أعاد تفتيش مبنى مدمر في الضاحية الجنوبية.
تقديرات خاطئة
والحال أن الحملات على الجيش، لا تعدو كونها مزاودات شعبية وسياسية. لا الظروف تشبه ظروف الضفة الغربية، ولا تستطيع إسرائيل تحويل الجيش الى لجنة أمنية تعمل بأوامر إسرائيلية. من هنا، تصبح التقديرات السياسية حول مهمات الجيش، خاوية. فقد حصل الجيش على كامل الغطاء السياسي، ومن ضمنه، تعهّد "حزب الله" بإخلاء منطقة جنوب الليطاني من الأسلحة. ويمضي بتنفيذ مهامه، تحت سقف عدم تعريض البلاد لحرب، وعدم القفز فوق الاعتبارات السيادية.
