أُخلي سبيل الصحافي والناشط إياد شربجي في دمشق بعد نحو 24 ساعة من التحفظ عليه إثر مراجعته إدارة الأمن الجنائي، قبل أن يكتب منشوراً قال فيه أن المحامي العام أصدر أمر تَرك"، واعتبر ذلك بمعنى طي الادعاء، مضيفاً أن توقيفه كان مرشحاً للتمديد يوماً إضافياً لولا مناقشته للمحامي العام "بالحجة والأدلة"، وأنه سيتحدث لاحقاً عن قانونية ما جرى، ثم ربط الواقعة ببقاء قوانين صادرة في عهد نظام الأسد فاعلة حتى اليوم.
"أمر تَرك" لا يعني إغلاق الملف
وتحول منشور شربجي نفسه إلى محور سجال قانوني بعدما رد محامون ومتابعون بأن "الترك" قرار إجرائي يتعلق بوضع المدعى عليه أثناء سير الملف ولا يحمل بذاته معنى البراءة أو منع المحاكمة، ولا يعني أن الادعاء باطل أو أن القضية انتهت كما قال شربجي، إذ يمكن أن تستمر الدعوى والمدعى عليه طليقاً، كما يمكن إعادة توقيفه إذا ظهرت أدلة جديدة أو قررت الجهة الناظرة اتخاذ إجراءات إضافية وفق تقديرها.
دعوة للمراجعة لا ملاحقة
وقال محامي شربجي في تغطيات محلية أن موكله لم يكن مطلوباً بالمعنى المتداول، وإنما دعي للمراجعة، وأن المحامي كان يمكنه الحضور عنه، لكن شربجي ذهب بدافع مهني مرتبط بحسه الصحافي، كما قال إن موكله امتدح طريقة المعاملة داخل الفرع، وأن ما أزعجه اقتصر على ابقائه قيد التحفظ وحجز حريته لساعات، واعتبر أن ما جرى سار وفق إجراءات اعتيادية.
وأوضح المحامي أن الفرق بين الترك والبراءة، هي أن شربجي سيتمكن من الحصول على تعويض ورفع دعوى على المحامي الذي اشتكى عليه، لو كان حصل على البراءة. أما في حالة الترك، وهي حالة موكله، فلن يتمكن شربجي من حق التعويض أو رفع الدعوى المضادة.
الانقسام الأوسع في وسائل التواصل لم يتوقف عند شخص شربجي وامتد إلى طبيعة مسار القضية نفسها. وتساءل الناشطون: لماذا يتحول نزاع على محتوى منشور إلى مسار يبدأ من الأمن الجنائي، ثم ينتهي أمام النيابة حتى عندما يخرج صاحبه بعد يوم واحد؟ وطرحوا تساؤلات على سبيل هل يكفي القول إن "المدة ضمن السقف" لتبرير حجز الحرية في ملفات تتعلق بالرأي العام، أم أن المشكلة في آلية الاستدعاء ذاتها وفي غياب معايير معلنة تفرق بين النقد وخطاب الكراهية وبين الإساءة المقصودة والتحريض.
وطالب ناشطون في وسائل التواصل بإطلاق سراح شربجي أثناء فترة احتجازه من زاوية حرية التعبير، ورأوا أن الخلاف مع مضمون تصريحاته لا يبرر حجز الحرية، وظهرت منشورات تقول بوضوح إنها تدافع عن حقه حتى مع الاختلاف معه سياسياً وإعلامياً، كما صدرت مواقف حذرت من أن تحويل الخلافات على المنصات إلى شكاوى ومحاضر قد يعيد إنتاج مناخ العقاب بدل النقاش.
وذهب آخرون في اتجاه معاكس، حيث اعتبروا أن المساءلة حق قانوني إذا كان المحتوى ينطوي على تحقير أو تعميم أو إثارة نعرات وأن إطلاق السراح لا يلغي حق الادعاء ولا يغلق الملف مستخدمين لغة قانونية مباشرة لتأكيد أن المسألة ليست "مظلومية" بل اختبار لمعيار ضبط الخطاب العام في مرحلة انتقالية حساسة.
في المقابل رأى آخرون في الاحتجاز القصير ثم الإفراج مادة جاهزة لإنتاج صورة "سقف حرية متحرك" عبر مشهد محسوب، وكتب بعضهم صراحة أن الهدف من الاحتجاز كان الإفراج نفسه بوصفه رسالة مزدوجة، إظهار القبضة ثم إظهار التسامح.
بينما جاء تضامن الفنان سميح شقير بعبارته عن "سقف الحريات المتحرك والاستنسابي" ليزيد الاستقطاب لا سيما بعدما انتقل الاقتباس نفسه إلى منصات متعددة بين مؤيد ومعترض.
قانون 20 للعام 2022 يعود
ضمن السجال أيضاً عاد قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 إلى الواجهة باعتباره مرجعية جاهزة لاستدعاء عبارات مثل "الحض على الكراهية" و"التحريض على العنف"، وهي عبارات تقول منظمات حقوقية إن اتساعها التأويلي يفتح الباب لتطبيقات فضفاضة، فيما لفت متابعون إلى خلط شائع في تداول رقم المادة. إذ تظهر المادة 31 في نصوص وشروحات حقوقية بوصفها التي تتضمن صيغة "الحض على الكراهية أو التحريض على العنف" وهو ما جعل القانون نفسه جزءاً من النقاش حول معنى الانتقال السياسي إذا بقيت أدوات التشريع القمعي متاحة بالمنطق ذاته.
