"محاكم الموت": وثيقة بصرية عن القضاء الأسدي

مصطفى الدباسالاثنين 2025/12/15
GettyImages-2191655365.jpg
من حراك لسجناء صيدنايا (أرشيفية - غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

تستعد "وزارة العدل" السورية لعرض فيلم وثائقي جديد بعنوان "محاكم الموت"، من إنتاج "مديرية الإعلام" في الوزارة، يوثق عملية حفظ وأرشفة وتحليل لآلاف الملفات السرية العائدة لمحاكم الميدان والإرهاب في عهد نظام الأسد.

 

 

في المقطع الترويجي الذي نشرته الوزارة للفيلم في مواقع التواصل، يظهر وزير العدل مظهر لويس، ليشرح أن الوزارة "منذ اللحظة الأولى لدخول دمشق، أدركت خطورة ملف المحاكم الاستثنائية، فتوجهت مباشرة إلى محكمة الإرهاب محكمة الميدان العسكرية للمحافظة على الأضابير والملفات السرية المرتبطة بها".  ويقدم الفيديو هذه المحاكم بوصفها أدوات للإعدام الميداني خارج القانون خلال سنوات النظام السابق، ويشير إلى أنّ الوثائق التي جرى جمعها تتضمّن أوامر بتنفيذ إعدامات، ومحاضر محاكمات صورية لمعتقلين حرموا من أبسط مقوّمات المحاكمة العادلة، كما يعرض لقطات مموهة لجثث قال إنها لضحايا تلك المحاكم، قتلوا في أقبية الفروع الأمنية وجرى توثيقهم بصور ورسوم وجداول أرقام.

 

إنقاذ الوثائق

ويحاول الفيلم تقديم وزارة العدل بوصفها الجهة التي تولت "إنقاذ" هذا الأرشيف من الضياع، وتحويله إلى مادة قانونية منظمة يمكن استخدامها في مسار العدالة الانتقالية، مع التشديد على أن حفظ الوثائق يشمل قراءتها وتحليلها وتصنيفها تمهيداً لمحاسبة القضاة والضباط والمسؤولين الذين شاركوا في منظومة الإعدام خارج القضاء، وبذلك يربط الترويج بين العمل التقني البارد في غرف الأرشيف، وبين معركة سياسية وقضائية أبعد تتعلق بكيفية كتابة تاريخ عهد الأسد أمام المحاكم والرأي العام.

 

134 ألف وثيقة

وتزامن نشر هذا المقطع الترويجي مع تحقيق استقصائي دولي شارك فيه التلفزيون السويدي SVT، والشبكة الدولية للصحافة الاستقصائية ICIJ، والقناة الألمانية NDR، كشف عن تسريب ضخم يضم أكثر من 134 ألف صورة ووثيقة من داخل أجهزة الاستخبارات والشرطة العسكرية، وقال التحقيق إن الصور توثق تعذيباً ممنهجاً ووفاة أكثر من عشرة آلاف معتقل داخل السجون، مع أرقام تعريفية كتبت على أوراق أو مباشرة على أجساد الضحايا. وحسب تقارير صحافية غربية شاركت في مراجعة المواد، فإن هذه التسريبات تمثل امتداداً ونسخة أوسع من "صور قيصر" السابقة، مع أكثر من سبعين ألف صورة إضافية وثقت ما لا يقل عن 10212 وفاة في مراكز الاعتقال، وقد جرى التحقق منها عبر شهادات عائلات ومقارنات مع الأرشيفات القضائية السابقة للنظام. 

 

 

وفتح هذا التقاطع بين فيلم رسمي ينتجه جهاز حكومي في دمشق، وتحقيق دولي يستند إلى تسريب من داخل أرشيف الأجهزة نفسها، نقاشاً واسعاً حول الجهة التي تمتلك حق سرد هذه الوثائق أولاً، هل هي الدولة التي ورثت أرشيف النظام البائد وتحاول تقديمه في سياق العدالة الانتقالية؟ أم المؤسسات الإعلامية والحقوقية الدولية التي ترى في التسريب دليلاً مباشراً على جرائم موثقة، وتعتبر أن نشرها جزء من كشف الحقيقة، لا من احتكارها داخل مؤسسات مغلقة، خاصة أن العائلات لم تحصل حتى الآن إلا على قدر محدود من المعلومات عن مصير أبنائها، رغم سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وفتح بعض مراكز الاحتجاز السابقة. 

 

ملف دمشق

وركز الجدل في مواقع التواصل السورية على مضمون "ملف دمشق" وطريقة نشره وأدان ناشطون وذوو ضحايا عرض صور جثث المعتقلين بأجساد شبه عارية ووجوه واضحة في تقارير تلفزيونية عربية وأجنبية من دون تمويه كاف أو تحذير مسبق، واعتبر كثيرون أنّ طريقة التقديم تحول أجساد الضحايا إلى مادة صادمة للاستهلاك الإعلامي، وتعيد تعريض العائلات لصدمة ثانية بعد الصدمة الأصلية.

 

وفاء مصطفى، إحدى الناشطات البارزات في ملف قضايا المعتقلين وإبنة المعتقل المغيب قسراً علي مصطفى، نشرت مقطع فيديو تداولته صفحات عديدة، قالت فيه إنّ أهالي المفقودين "لم يناموا منذ لحظة الإعلان عن التسريبات"، وإنّ بعض وسائل الإعلام تتعامل مع الألم بوصفه "عنصراً لرفع نسب المشاهدة"، بدل أن تراعي مشاعر الأمهات والآباء الذين يجدون صور أبنائهم مقتولين أمام ملايين المشاهدين، من دون أي استئذان أو مرافقة نفسية أو قانونية.

 

 

في هذا السياق، أصدرت "وزارة العدل" بياناً رسمياً قالت فيه إنها تتابع ما تقوم به بعض وسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية من نشر متفرق لوثائق وصور ومعلومات تتعلق بأشخاص تعرضوا لانتهاكات جسيمة وتعذيب وقتل خلال حقبة النظام البائد، ووصفت هذه المواد بأنها "مسوّدات إدارية" جرى جمعها "بطرق انتقائية" لا تراعي الضوابط القانونية والأخلاقية، وحذر البيان من أن النشر العشوائي لهذه الوثائق والصور يتجاهل مشاعر الضحايا وذويهم، ويفتح الباب أمام استغلال بعض الجهات لهذه المواد في سياقات سياسية أو تجارية لا علاقة لها بالعدالة، مع التأكيد على أنّ كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم جزء من جوهر العدالة الانتقالية، وليست هامشاً يمكن التضحية به بحجة كشف الحقيقة.

 

 

ودعا البيان جميع المنظمات والأفراد والجهات التي بحوزتها وثائق أو صور أو بيانات تتعلق بضحايا الانتهاكات، إلى تسليمها للجهات القضائية المختصة، سواء في وزارة العدل أو في هيئات العدالة الانتقالية بهدف توثيقها ضمن أطر معتمدة وحمايتها من العبث والتوظيف غير الأخلاقي، كما عبر عن تضامن الوزارة مع أسر الضحايا، وتعهد بعدم التهاون مع أي جهة تستغل ملفات المعتقلين لأغراض غير مشروعة، مجدداً التأكيد على أنّ وزارة العدل، بحكم مسؤولياتها الوطنية، ملتزمة بمبادئ سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية وتحقيق العدالة الانتقالية على أسس مؤسسية راسخة بحيث لا يظلم فرد أو تنتهك ذاكرة ضحية تحت شعارات كشف الحقيقة.

 

لوائح إتهام

ورغم هذه اللغة التي تحاول المزاوجة بين حماية الأدلة وصون كرامة الضحايا، يبقى السؤال المفتوح أمام عائلات مئات آلاف المعتقلين والمفقودين هو ما إذا كانت الأشرطة والبيانات والملفات الرسمية، التي تظهر اليوم في الأفلام الوثائقية والتقارير الدولية، ستتحول فعلاً إلى لوائح اتهام واضحة أمام القضاء، أم ستظل جزءاً من معركة سرديات سياسية بين دولة تريد أن تبرهن على "قطيعتها" مع إرث الأسد، ومؤسسات حقوقية ترى أن الطريق إلى العدالة يمر أولاً عبر الكشف الكامل عن مصير كل مفقود، وتسليم رفات الضحايا إلى عائلاتهم وفتح الأرشيف بلا انتقائية أو حجب.

 

وتكشف الأرقام التي وثقتها منظمات دولية خلال الأعوام الماضية حجم الفجوة بين ما كشف وما يزال مخفياً، حيث قدرت "شبكة الحقوق السورية" (SNHR)في تقرير موسع أواخر العام 2024 أن أكثر من 112414 شخصاً ما زالوا قيد الاختفاء القسري على أيدي أجهزة النظام السابق، وهو رقم لا يشمل ضحايا بقية الأطراف التي مارست الاعتقال القسري في سوريا. 

 

كما أشارت تقارير سابقة لمنظمات مثل "العفو الدولية" إلى مقتل 17723 شخصاً في مراكز الاحتجاز بين العامين 2011 2015، وإلى "مستويات صناعية" من التعذيب والقتل في السجون، إضافة إلى ما كشفته صور "قيصر" عن نحو 11 ألف معتقل قتلوا تحت التعذيب في مستشفيات عسكرية وفروع أمنية في دمشق، وهي أرقام تؤكد أن التسريب الجديد جزءاً من سياسة ممنهجة استمرت سنوات طويلة. وفي تقرير حديث لـ"مكتب حقوق الإنسان" في الأمم المتحدة، نقل عن المنظمة أنّ أكثر من مئة ألف شخص ما زالوا في عداد المفقودين من حقبة الأسد، وأن ما لا يقل عن 97 حالة اختفاء جديدة سجلت منذ بداية العام 2025 في مختلف مناطق سوريا.

 

أرشيف الجرائم

في ضوء ذلك، يصبح فيلم "محاكم الموت" والبيان المرافق له خطوة جديدة في محاولة وزارة العدل رسم حدود لما تعتبره "مساراً مسؤولاً" للتعامل مع أرشيف الجرائم، مقابل فوضى التسريبات والنشر غير المنضبط في الإعلام، غير أنّ معيار نجاح هذه المقاربة لن يُقاس بعدد الوثائقيات المنتجة أو البيانات المنشورة، بل بقدرة المؤسسات الجديدة على تحويل الوثائق السرّية إلى حقائق معلنة أمام العائلات والرأي العام والقضاء، وبمدى ما سيترجم هذا الأرشيف في نهاية المطاف إلى محاكمات عادلة وتعويضات وآلية واحة لكشف مصير المغيبين قسراً، حتى لا تبقى صورهم معلّقة بين شاشات التلفزيون ورفوف الأرشيف، من دون قبر معروف أو عدالة مكتملة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث