رواية غير مسبوقة: الأسد وشى بالإيرانيين و"حزب الله"

راغب مليالأحد 2025/12/14
Image-1765720430
الأسد يتوسط قاسم سليماني والقيادي بـ"حزب الله" محمد جواد قصير الذي اغتالته إسرائيل في خريف 2024 (أرشيفية - إعلام إيراني)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ عام 2011، اعتادت الآذان على رواية واحدة تتكرّر على ألسنة قوى المحور وناشطيه ووسائله الإعلامية، لا تنتقد رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد، وتتجنّب أي مساس بصورته، رغم الشكوك بالنظام حيال التعاطي مع "حزب الله" والإيرانيين... غير أنّ مشهداً مختلفاً برز للمرة الأولى أخيراً، حين قدّم صحافي عمل لسنوات في قلب المنظومة الإعلامية المؤيّدة للنظام السوري، سرديةً مناقضةً تماماً لما اعتاد جمهور الممانعة سماعه من هذا الفريق.

 

مشاهدات ومصادر داخل دائرة القرار

الصحافي السوري رضا الباشا، الذي رافق الحرب السورية من قلب الميدان، وعُرف سابقاً كأحد أبرز المدافعين عن نظام بشار الأسد، عبر قناة تنتمي إلى المحور، خرج ليعرض رواية جديدة في حوار مطوّل ضمن بودكاست "رواية" على قناة "طيون"، في مقابلة أجراها الباحث حسن الدر. مقابلة، حملت ما يكفي لكسر السائد، وطرح الكثير من علامات الاستفهام، ومحاولات الوصول إلى استنتاجات مرتبطة بهذا السياق.

في حديثه، قدّم الباشا سياقاً يؤكّد أنّه يستند إلى مشاهداته المباشرة، وإلى مصادر من داخل دوائر القرار الضيّقة في النظام السوري السابق وقيادة المحور العاملة في سوريا. ومن بين ما طرحه، برزت نقاط شكّلت الأساس للسردية الجديدة التي يتبنّاها.

 

 

درعا وبداية العسكرة

يتوقّف الباشا عند العام 2011، مؤكّداً أنّ النظام السوري السابق هو من دفع الحراك الشعبي نحو العسكرة، عبر إدخال الجيش منذ اللحظة الأولى. ويستشهد بمعارضة العماد علي حبيب، وهو من الطائفة العلوية، خيارَ التدخّل العسكري، انطلاقاً من مخاوف حقيقية من تحويل الاحتجاجات الشعبية إلى حمّام دم، رغم كونه كان مكلّفاً آنذاك بالإشراف على محافظة درعا. إلا أنّ هذا الاعتراض، حسب رواية الباشا، قوبل بالإقصاء السريع، مع تعيين بديل منه لتنفيذ الخيار الأمني. عند هذه النقطة، بدأت شرارة التحوّل من حراك شعبي إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين النظام والمعارضة.

 

التدخّل الإيراني وكشف المحذوف

ينتقل الباشا إلى عام 2013، متحدثاً عن مرحلة دخول إيران الحرب بشكل مباشر إلى جانب بشار الأسد. ويستعرض ما ورد في كتاب "رسائل السمك" للقائد الإيراني حسين همداني، الذي أسّس قوات "الدفاع الوطني" دعماً لقوات النظام.

ويذكر أنّ همداني كتب في مذكّراته أنّ الأسد كان يفكّر في مغادرة دمشق خلال تلك المرحلة، قبل أن يقنعه الإيرانيون بالبقاء. كما يشير إلى أنّ هذه الفقرة حُذفت لاحقاً من النسخة المتداولة من الكتاب، التي أُعيد توزيعها بعد تعديلها.

 

ما بعد سليماني

يعتبر الباشا أنّ اغتيال قاسم سليماني شكّل نقطة تحوّل مفصلية، إذ بدأ بعدها الأسد بتنفيذ ما طُلب منه تدريجياً، عبر العمل على إخراج القوات الإيرانية و"حزب الله" من سوريا. ويطرح تساؤلات حول ظروف الاغتيال، والجهة التي سرّبت معلومات عن تحرّكات سليماني قبل وصوله إلى العراق.

وفي السياق نفسه، يتحدّث عن استبعاد اللواء علي مملوك من المشهد، ثم انطلاق خطة أمنية واسعة لإعادة هيكلة الأجهزة والمسؤولين الأمنيين في المناطق والشُعب. ويؤكّد أنّ النظام طلب لاحقاً جمع معلومات تفصيلية ودقيقة عن انتشار القوات الإيرانية و"حزب الله"، بعدما كان الأمر يقتصر سابقاً على تحديد وجود عام من دون تفاصيل. ويشير إلى أنّ الأجهزة الأمنية وصلت إلى حدّ مراجعة الشركات العقارية للحصول على بيانات حول الشقق والأماكن التي تستخدمها هذه القوات.

ويقول الباشا إنّ هذه المرحلة وما تلاها شهدت اغتيالات دقيقة لقيادات من "الحرس الثوري الإيراني" و"حزب الله". ويشير إلى أنّ الاعتقاد السائد كان أنّ روسيا هي من يسرّب المعلومات إلى إسرائيل، في حين أنّ المصدر الحقيقي، وفق روايته، كان النظام السوري نفسه. ويمتدّ هذا الاتهام ليشمل التضييق الذي فرضه الأسد على "حزب الله" في ملف نقل السلاح، مما دفع الحزب إلى اعتماد طرق التفافية لا تمرّ عبر النظام.

كما يتطرّق إلى قضية لونا الشبل، مؤكّداً أنّها قُتلت، ولم تُتوفَّ نتيجة حادث سير كما روج النظام حينها، مشيراً إلى أنّ بشار الأسد يقف خلف سلسلة اغتيالات طالت قادة في المحور، بمن فيهم قيادات من "حزب الله".

 

الجبهة الجنوبية… خذلان بشار لحلفائه

ويشير الباشا إلى أنّ قيادة المحور تلقّت خلال عام 2022 معلومات عن احتمال اندلاع حرب إسرائيلية واسعة على لبنان وغزّة، مما دفع إيران و"حزب الله" إلى تعزيز الجبهة الجنوبية السورية بوصفها محوراً أساسياً لأي مواجهة مقبلة.

ويقول إنّ الأسد كان قد تعهّد للمرشد الإيراني علي خامنئي بأن تكون هذه الجبهة مفتوحة عند وقوع الحرب، لكنه تراجع عن هذا التعهّد في عام 2024، إذ لم يسمح بإطلاق "طلقة واحدة" من الأراضي السورية. ويُنظر إلى هذا القرار، بحسب محلّلين كثر، على أنّه أحد الأسباب الرئيسية لخسائر "حزب الله" في الحرب الأخيرة.

Image-1765720300
الأسد يتوسط نصصر الله ونجّاد في لقاء سابق في دمشق (أرشيفية - أ.ف.ب)

من حماية الفساد إلى تسليم البلاد

وفي معرض مقابلته، يلفت الباشا إلى أنّ بشار الأسد كان حريصاً، قبل كل شيء، على تفادي العيش في الخفاء أو مواجهة مصير الاغتيال. وفي السياق نفسه، يؤكّد أنّ الأسد لم يسعَ يوماً إلى إصلاح حقيقي، بل عمل على حماية الفاسدين وتعميق منظومة الفساد، فيما كان الشعب السوري يعيش أوضاعاً اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة، شكّلت بدورها أرضية لانفجار الأحداث. ويسرد الباشا أيضاً ما يعزّز تصريحاته طوال حديثه، مستعرضاً مجريات الميدان في مدينة حلب خلال الساعات التي سبقت سقوطها، ليخلص إلى أنّ المؤشرات الميدانية تقود إلى نتيجة واحدة: سوريا سُلّمت.

 

أسئلة ما بعد الرواية… لماذا الآن؟

ما قدّمه الباشا يضع جمهور المحور أمام أسئلة قاسية، بعد حرب طويلة خاضها "حزب الله" في سوريا بمشاركة أعداد كبيرة من مقاتليه، خلّفت آلاف القتلى والجرحى، وتداعيات اجتماعية عميقة. وقد انتظر كثيرون رواية مختلفة عمّا كان سائداً، علّها تفسّر ما جرى طوال تلك السنوات.

ويبقى السؤال الأبرز: لماذا خرج رضا الباشا بهذه السردية اليوم، وهو يعمل في قناة تُعدّ جزءاً عضوياً من المحور؟

هل ما قاله مبادرة فردية؟ أم أنّه خطّ سردي جديد يُراد تمريره في لحظة حسّاسة، تتزامن مع تسريبات هزّت البيئة الحاضنة، ومع قناعة تشكّلت بأنّ الأسد بات "خارج المشهد"؟

ربما تكون محاولة لتهيئة الأرضية لمرحلة جديدة وانفتاحات مقبلة، أو لإعادة صياغة خطاب يقول إنّ "الخيار كان صائباً" طوال سنوات التدخّل في سوريا، لكنّ الأسد هو من خذل المحور وغدر به.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث