مع اشتداد برد الشتاء في قطاع غزة، يشق نازحون فلسطينيون طريقهم كل يوم إلى بيوتهم التي دمرها القصف الإسرائيلي. وهناك ينبشون بين الركام لاستخراج قضبان وأسياخ حديدية من بين الجدران المنهارة لاستخدامها في تثبيت خيامهم الواهية أو بيعها لتأمين قوت يومهم في القطاع الذي يحتاج سنوات للتعافي من آثار الحرب.
أصبحت تلك القضبان سلعة مطلوبة بشدة في قطاع غزة، حيث تتشابك بين الأنقاض التي خلفتها الحملة العسكرية الإسرائيلية التي لم تسلم منها سوى القليل من المنازل. ويقضي بعض السكان أياماً في تكسير الكتل الإسمنتية لاستخراجها، فيما يستغرق آخرون أسبوعاً أو أكثر في هذا العمل الشاق. ومع الاستعانة بأدوات بدائية من مجارف ومعاول ومطارق، يمضي العمل ببطء، حسبما نقلت وكالة "رويترز".
كانت هذه الأسياخ يوماً ما تحمل جدران البيوت، أما اليوم فهي تستخدم في نصب الخيام التي تشتد الحاجة إليها مع انخفاض درجات الحرارة ليلاً. وأغرقت الأمطار الغزيرة بالفعل الأمتعة القليلة للكثير من سكان غزة، مما زاد من معاناتهم.
وحاول وائل الجبرا، وهو أب لستة أطفال يبلغ من العمر 53 عاماً، نصب خيمة مؤقتة، محاولاً تثبيت قضيبين فولاذيين معاً. وقال: "لا أملك المال بطبيعة الحال لشراء الخشب، فاضطررت إلى استخراج هذا الحديد من المنزل. كان البيت مكوناً من خمسة طوابق، ولا ملجأ لنا إلا الله، فهذا البيت كان يسترنا، وهذه هي حالنا كما ترى".
وفي تشرين الثاني/نوفمبر، قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحرب في قطاع غزة خلفت ما يقدر بنحو 61 مليون طن من الأنقاض، بناء على تقديرات تستند إلى صور الأقمار الصناعية. وأضاف أن إزالة معظم هذا الركام ربما تستغرق سبع سنوات إذا توفرت الظروف المناسبة.
وربما يبلغ سعر سيخ حديدي طوله 10 أمتار 15 دولاراً، وهو مبلغ كبير بالنسبة لعائلات نازحة بالكاد تملك المال، علماً أن الحرب اندلعت بعد هجوم مباغت شنه مسلحون تقودهم حركة "حماس" على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ووصف سليمان العرجة (19 عاماً)، وهو يحمل دلاء ثقيلة مملوءة بالركام ويدفع عربة يدوية، يومه المعتاد في البحث عن أسياخ الحديد قائلاً: "نقوم بالبحث في المنازل المدمرة، ويتم الاتفاق بيننا وبين صاحب المنزل، ويخيرنا بين أن نقوم بتنظيف البيت مقابل الحصول على الحديد، أو تنظيفه مقابل مبلغ مالي. فنخبره أننا نريد الحديد، ونباشر بتكسير الخرسانة لاستخراجه. وكما ترون، ربما يستغرق العمل أسبوعاً، أو أكثر".
ووعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار، ووضع خطة تنمية اقتصادية لإعادة إعمار غزة التي كانت تعاني الفقر حتى قبل الحرب. لكن الفلسطينيين في القطاع لا يستطيعون حتى التفكير في المستقبل رغم التوصل إلى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فكل يوم هو معركة للبقاء بالنسبة لهم، بعدما تبخرت على مدى عقود آمال السلام وخططه، ولم يبق لهم سوى التركيز على النجاة.
وقال هيثم عربية (29 عاماً): "نعمل في هذا المجال لنؤمن طعامنا وشرابنا، ولنؤمن معيشتنا ومصاريفنا، حتى لا نحتاج إلى أحد، ولكي نحصل على لقمة عيشنا بالحلال وبالجهد، ومن تعب أيدينا، من دون أن نمد أيدينا لأحد".
واتهم الفلسطينيون إسرائيل بحرمان غزة من أسياخ الحديد التي تستخدم في البناء، فيما قال مسؤول إسرائيلي أن مواد البناء من السلع ذات الاستخدام المزدوج، هي مواد للاستخدام المدني ولكن يمكن أيضاً أن يكون لها استخدام عسكري، ولن يسمح بدخولها إلى غزة حتى المرحلة الثانية من خطة السلام التي تقودها الولايات المتحدة. وأشار المسؤول إلى مخاوف من إمكانية استخدام هذه المواد في بناء الأنفاق التي تستخدمها "حماس".
