الحكاية التي خبأتُها لحين هروب الأسد

سالي عليالجمعة 2025/12/12
Image-1765551241
"وجه سوريا الحديث" من أرشيف الفنان imranovi
حجم الخط
مشاركة عبر

هناك لحظات تبدو صغيرة جداً، لكنها تبقى في الذاكرة كأنها حدثٌ غيّر شيئاً داخلياً لا يمكن رؤيته. لحظات تمرّ بسرعة، لكنها تترك أثرًا أطول من أثر السنوات نفسها. ولعلّ أغرب ما فيها أنها قد تكون مجرّد كلمة تُكتب بإصبع مرتجفة على زجاج سيارة مغطّاة بالغبار، ثم تختفي في اليوم التالي كأنها لم تكن!

 

كنتُ يومها طالبة في الجامعة، العام 2013 العام تبدّلت فيه ملامح البلاد كلّها. كان المشهد من الخارج يبدو عادياً. محاضرات، امتحانات، قاعات مزدحمة، وزملاء يضحكون ويتجادلون. لكن في العمق، كل شيء ارتجّ. الأخبار التي تصلنا كانت متقطعة، مشوّشة، لكنها كافية لتخبرنا بأن المدن الأخرى تنزف. كان كل ما يحدث هناك ينعكس صامتاً في قلوبنا هنا. كأنّ البلاد تنقسم إلى عالمين؛ عالم يحاول أن يعيش كالمعتاد وعالم يُقصف ويُهدم ويُعتقل ويختفي منه الناس بلا أثر.

 

في تلك الأجواء، نزل زملائي ينزلون في مسيرات تأييد لنظام الأسد! بعضهم بدافع خوف، وبعضهم منساقاً، وبعضهم ربما عن قناعة. لطالما أصرّوا أن أرافقهم، لكن الرفض في ذلك الوقت بدا فعلًا ثقيلًا، فكنت أعتذر بأي حجة! مرة لأن لدي محاضرة، مرة لأني متعبة، ومرة لأني مستعجلة. وإن اضطُررت للمشي معهم، رافقتهم حتى نقطة التجمع، ثم ما إن يبدأ الهتاف حتى أبحث عن أقربِ مخرج. أهرب إلى شارع جانبي، أختبئ خلف مبنى، أمشي مسرعة حتى أبتعد عن الكلمات التي لم أستطع يوماً أن أرددها.

 

عجزتُ عن قول ما يناقض ما في قلبي. لم أستطع الهتاف لمَن سحقت أفعاله بيوتاً وصدوراً في مدن أخرى. لم أستطع أن أشارك في صخب ينكر صرخات مَن يشبهونني: طلاب، عائلات، أطفال، أناس عاديون لم يستحقوا ما حدث لهم. شعرتُ أنّ صوتي محبوس، وأنّ الخوف أكبر من القدرة على الكلام، لكن داخلي كان يرفض بصمت عنيد أن أكون جزءاً من هذا الكذب.

 

في أحد الأيام، وبعد خروجي مع مجموعة من الزملاء اضطراراً وبدت العودة إلى صمتي مستحيلة، قررت أن أهرب مجدداً بمجرد أن تسنح الفرصة. انسحبتُ من المجموعة بهدوء واتجهت إلى شارع ضيق قليل الحركة. كان الشارع هادئاً لدرجة جعلتني أشعر بأنّ الهواء نفسه يراقبني. وبينما أسيـر لفتت انتباهي سيارة قديمة مركونة ومغطاة بطبقة كثيفة من الغبار. لا أعرف لماذا اقتربتُ منها. ربما لأنّ الغبار بدا لي مساحة متاحة للكلام، مساحة لا يراقبها أحد. وقفت أمام الزجاج الخلفي ألتفت يميناً ويساراً كالخائف من ظلّه. لا أحد. ومع ذلك، شعرت أنّ عيونًا غير مرئية تترصدني. مددت إصبعي وبحركة سريعة كتبتُ على الغبار: "ما في للأبد".

 

ارتجفت الكلمة مثل يدي. كتبتها وقلبي يوشك أن يقفز من صدري. لكن شيئاً في داخلي كان أقوى. كتبت الكلمة وتركتها هناك، واضحة، صريحة، كأنها إعلانٌ صغير لا يراه أحد سواي. لم أجرؤ على الركض، لكن خطواتي كانت أسرع مما أحتمل. سمعت دقات قلبي أكثر مما سمعت الهتافات في الشارع. اجتزتُ شارعاً، ثم آخر، والتفتّ عشرات المرات لأتأكد أن أحداً لم يرَني. لكن خوي كان مختلفاً هذه المرة. يرافقه شعور غريب بالخفّة، وكأن شيئاً عالقاً تحرّر. وصلت إلى مكان بدا لي آمنًا، فتوقفت.. تنفّست بعمق، ثم ضحكت. ضحكة حملت ارتياحاً غريباً كأني تخلّصت من ثقلٍ جاثم على صدري. 

 

مرت السنوات. تغيرت البلاد، وتغيرنا. اختفت السيارة، وغُسل الغبار، وذهبت الكلمة من الزجاج، لكنها لم تذهب مني. محفورة بداخلي كما لو أنها آخرُ أثر تركته نسختي الصغيرة الخائفة. وكلما سمعت كلمة "أبد"، عُدت إلى تلك اللحظة. كلما استخدمها أحد بثقة كاذبة، شاهدتُ نفسي واقفة أمام تلك السيارة المغبرّة، وتذكّرت إصبعي المرتجفة. وكلما حاول أحدهم إقناعي بأنّ اليأس قدر، سمعتُ ضحكتي التي تلَت رعبي. 

 

واليوم بعدما تبدّلت البلاد وكتبت فصلًا جديداً في تاريخها، شعرت بأنّ تلك العبارة الصغيرة كانت جزءاً من حكاية أكبر. لم أكن أرى ذلك وقتها! لم أكن أملك الشجاعة لشيء كبير، ولم أكن أبحث عن بطولة. كنت فتاة تخاف لكنها ترفض. فتاة لم تستطع الهتاف لكنها استطاعت أن تقول كلمة واحدة صادقة في وجه الوهم. كلمة صغيرة.. نعم، لكنها بالنسبة إليّ كانت بداية استعادة صوتي. ربما اختفت كتابتي من الزجاج، لكن الفكرة التي كتبتها لم تختفِ. فكرة أنّ الأبد ليس إلاّ خدعة. وأنّ الخوف رغم ثقله لا يلغي الحقيقة. وأن الصمت مهما طال لا يمحو ما نحمله في داخلنا.

 

أكتبُ اليوم هذه القصة لأنها مرآة نسخة قديمة مني، نسخة ناضلت بطريقتها الصغيرة، الخائفة، الصامتة، لكنها الحقيقية. ولأنّ في الداخل لحظات صغيرة تستحق أن تُروى حتى لو لم يسمعها أحد في حينها. ولأني أؤمن اليوم بأن تلك العبارة هي قصة بلدٍ بأكمله، حيث كتب، كلٌّ بطريقته، في مواجهة الغبار. ولأني ما زلت حتى اللحظة هذه أرى إصبعي تخطّ تلك العبارة وأسمع قلبي يخفقّ، وأشعر بذلك التحرّر الذي دام ثواني لكنه عاش في داخلي سنوات طويلة. "ما في للأبد".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث