في 5 تشرين الثاني 2025، أصدر المجلس التأديبي في نقابة المحامين في بيروت قراراً قضى بمنع المحامية المتدرجة رولا دايخ من مزاولة مهنة المحاماة لمدة ستة أشهر، على خلفية ما اعتبرته النقابة "مخالفة لقانون تنظيم مهنة المحاماة".
المخالفة، تتمثل في نشر محتوى قانوني على منصّات التواصل الاجتماعي. وقد أثار القرار نقاشاً واسعاً حول حدود الظهور الإعلامي للمحامي، والفصل بين التوعية القانونية والدعاية المحظورة، وصولاً إلى اتهامات بالتضييق ومحاولات للردع.
"صحافة حقوقية"
تقول دايخ لـ"المدن" إنّ ما تنشره عبر منصّات التواصل الاجتماعي هو توعية قانونية بحتة لا يمكن اعتبارها دعاية شخصية، مؤكدةً أنّ المادة 15 من قانون تنظيم المهنة تتيح استثناءات واضحة لما يُعرف بـ"الصحافة الحقوقية".
وتضيف: "لا أمارس أيّ دعاية، ولا أتقاضى أيّ مقابل من وسائل التواصل الاجتماعي. وأبلغت النقابة أنّني أضع هاتفي بتصرّفها كي يُكلَّف أيّ خبير تقني للتأكد من ذلك. المحتوى الذي أقدّمه موجّه للتوعية القانونية، لأنّه لا يُعقل أن نطالب الناس بالإلتزام بالقانون ومحاسبتهم على جهلهم به، ثم نمنع أهل القانون من توعية الجمهور".
وتروي دايخ أنّ استدعاءها للتحقيق جاء بعد "تحريض" من بعض المحامين الذين رأوا في انتشار فيديوهاتها ونِسَب مشاهداتها المرتفعة تهديداً لهم.
وتتابع: "وصلني من داخل النقابة أنّ هناك ضغوطاً واتصالات متواصلة تقول: "انظروا إلى رولا دايخ". وكأنّ نجاحي الذي أزعج بعضهم تحوّل إلى مشكلة". وتضيف: "لا أعلم إن كان السبب حجابي، أو كوني من الجنوب، أو لأني لا أنتمي إلى أيّ جهة".
إجراءات سريعة
تؤكّد دايخ أنّ جلسات المجلس التأديبي كانت "غير طبيعية" في سرعتها، إذ كانت تُعقد بفاصل يومين فقط، خلافاً للمسار التأديبي المعتاد الذي يمتدّ عادة أسابيع أو أشهر. وتقول: "مُنعنا، أنا ومحامي الدفاع، من ممارسة حقّنا الكامل في الدفاع. كان القرار يبدو وكأنّه مكتوب مسبقاً، والمجلس مستعجل لإصداره قبل انتهاء العهد بسبب انتخابات النقابة".
قدّمت دايخ طلباً لردّ رئيس الهيئة بسبب "الارتياب المشروع"، لكنّ الطلب رُفض بسرعة، قبل أن يصدر القرار بمنعها من مزاولة المهنة لمدة ستة أشهر. وتعلّق: "لو كنتُ قد ارتكبت مخالفة فعلية، لكان بإمكانهم توجيه تنبيه أو لوم أو حتى عقوبة لشهر واحد. أمّا ستة أشهر؟ والعقوبة الأكبر أنّه لا جواب لديّ عن سبب استهدافي تحديداً، في حين أنّ محامين آخرين ينشرون محتوى مماثلاً ولا يُمسّون. لماذا أنا؟". وتوضح أنّها استأنفت القرار وتنتظر حكم محكمة الاستئناف.
رواية النقابة: دعاية مخالفة
في المقابل، يقدّم مصدر رفيع في نقابة المحامين رواية مختلفة تماماً. ويؤكد لـ"المدن" أنّ القرار لا علاقة له لا بالحجاب ولا بالمنطقة ولا بأيّ تمييز، قائلاً:
"لدينا مئات المحاميات المحجّبات وأفضل العلاقات معهنّ. الكلام عن استهداف بسبب الحجاب أو الخلفية المناطقية غير صحيح إطلاقاً. النقابة من أعرق المؤسسات وأكثرها احتراماً للتنوّع".
وحسب المصدر، تلقّت دايخ إنذارات شفهيّة متكررة قبل تحويلها إلى المجلس التأديبي، بسبب مخالفتها المادتين 85 و41 من قانون تنظيم المهنة.
ويضيف: "أيّ ظهور إعلامي، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يحتاج إذناً مسبقاً من النقيب، خصوصاً إذا تضمّن مضموناً قانونياً يمكن أن يُعدّ استشارة. ما كانت تقوم به دايخ لم يكن توعية، بل استشارات قانونية تقدّمها للناس وتضع رقمها ليتواصلوا معها. هذا استقطاب لزبائن ويقع بالكامل ضمن الدعاية المحظورة".
ويرى المصدر أنّ دايخ، بصفتها محامية متدرجة، لا تملك الأهلية المهنية الكافية لتقديم استشارات، وأنّ بعض محتواها "اعتمد على الذكاء الاصطناعي"، ما قد يؤدي إلى "معلومات مغلوطة تضرّ الجمهور".
ويتابع: "المشكلة ليست فقط مخالفة قانونية، بل خطورة على الناس. كما أنّها وضعت يافطة مكتب دون الإشارة إلى أنّها متدرجة، وهذا يُعدّ مخالفة إضافية تهدف إلى الترويج".
استشارات في زمن الرَقمَنة
أعاد القرار النقاش حول قدرة النقابات المهنية في لبنان على مواكبة التحولات الرقمية. فمع انتشار ظاهرة "المؤثرين القانونيين" عالمياً، بات السؤال مطروحاً: ما الذي يُعتبر توعية؟ وما الذي يتحوّل إلى استشارة أو دعاية؟ وهل تستطيع الأطر النقابية التقليدية مواكبة طبيعة المنصّات الحديثة السريعة والمتغيرة؟
في لبنان، يبدو الجواب أشدّ تعقيداً في ظل غياب تعليمات واضحة تنظّم الظهور القانوني عبر السوشيال ميديا، مما يفتح الباب واسعاً للاجتهاد… وربما للجدل.
بين رواية دايخ التي ترى أنّها "استُهدفت بسبب نجاحها"، ورواية النقابة التي تعتبرها "مخالِفة أصرّت على التحدّي"، يبقى القرار النهائي بيد محكمة الاستئناف التي ستبتّ بالطعن خلال الفترة المقبلة.
وحتى ذلك الحين، يبقى الرهان الأكبر معلّقاً: هل تنجح النقابة في ضبط المهنة من دون التضييق على حرية التعبير؟ أم أنّ السجال سيستمر ليكشف هشاشة الأطر المهنية في زمن المنصّات المفتوحة؟
