أعاد الفيديو المسرب الذي يظهر فيه اللواء طلال مخلوف وهو ينحني ليقبّل يد بشار الأسد، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في ذاكرة السوريين، لأن الرجل الذي يبدو في المشهد كضابط غارق في ثقافة التبعية الشخصية للرئيس السابق، إلى حد الذل، هو نفسه من ظهر بعد سقوط النظام في مراكز التسوية يسلم سلاحه ويتحدث عن "الاطمئنان" إلى الواقع الجديد وينصح جنود الأسد أن يقتدوا به، في مشهد معاكس تماماً لما جسدته تلك القبلة من ولاء وخضوع مطلق لرأس النظام.
في الفيديو، يقول مخلوف للأسد: "سيادتك إنت بتنباس إيدك ورجلك"، وقد ظهر ضمن سلسلة تسريبات لونا الشبل مع بشار الأسد. وينتمي طلال شفيق مخلوف إلى عائلة مخلوف التي تتحدر من القرداحة، البلدة نفسها التي خرجت منها أنيسة مخلوف والدة بشار الأسد، مما يجعله فعلياً قريباً منه، ويضعه في قلب الدائرة الضيقة المقربة من عائلة الأسد بالدم، ثم بالأيديولوجيا القمعية التي حكمت سوريا لعقود، فضلاً عن مسيرته العسكرية داخل الحرس الجمهوري، حيث تولى قيادة اللواء 105 الهجومي، قبل أن يصبح قائداً للحرس الجمهوري ثم مديراً لمكتب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وكان واحداً من أكثر الضباط قرباً من مركز القرار السياسي والعسكري في دمشق آنذاك.
مع انطلاق الثورة السورية العام 2011، برز اسم اللواء 105 حرس جمهوري في قمع التظاهرات والاعتصامات السلمية في دوما وحرستا في ريف دمشق ونوى في درعا، ووضعت منظمات حقوقية اسم طلال مخلوف في قلب لوائح الاتهام بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان مع توسع دور الحرس الجمهوري في العمليات العسكرية والحصار في محيط العاصمة، وهو ما جعل اسمه حاضراً في لوائح سوداء وتقارير توثيقية تعتبره جزءاً من منظومة القرار التي أدارت القبضة الأمنية على الغوطة الشرقية، وإن كان الحسم القضائي في مسؤوليته الجنائية يحتاج إلى مسار قضائي مستقل لا تملكه هذه التقارير بطبيعتها.
بعد أكثر من عقد على تلك المرحلة الدموية من تاريخ سوريا، جاءت معركة "ردع العدوان" في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لتقلب المشهد العسكري والسياسي خلال أيام قليلة، إذ انهارت خطوط الدفاع عن النظام تباعاً من ريف حلب إلى حمص ودرعا، قبل أن تدخل قوات المعارضة المسلحة إلى دمشق فجر الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 وتعلن نهاية حكم عائلة الأسد، في سياق عسكري اتسم بانسحاب وحدات كاملة من دون قتال، ما ترك الكثير من الأسئلة المعلقة حول ما جرى داخل غرف قيادة الجيش في الأيام الأخيرة.
وتشير شهادات متقاطعة تداولها ناشطون ومصادر محلية، إلى أن اللواء السابق في الحرس الجمهوري، مخلوف، كان واحداً من الضباط الذين فتحوا قنوات تواصل مع قيادة "ردع العدوان" في الأيام الأخيرة قبل سقوط دمشق، ووجهوا أوامر غير مكتوبة للعناصر بعدم القتال، أو الانسحاب من مواقع حساسة حول العاصمة، أو تسليم السلاح مقابل ضمانات، ومع أنّ هذه المعطيات لا تزال في إطار الروايات الميدانية، فإنّ ما تلاها من مشاهد علنية أضفى عليها ثقلاً إضافياً في نظر الرأي العام.
ففي 22 ديسمبر/كانون الأول 2024، ظهر طلال مخلوف مجدداً أمام الكاميرات، لكن هذه المرة في أحد مراكز التسوية التي افتتحتها الإدارة العسكرية الجديدة في دمشق، حيث وثقت تقارير إخبارية ومنصات محلية اللحظة التي سلّم فيها نفسه وأعلن "تسوية وضعه"، متحدثاً عن شعوره بالاطمئنان، وداعياً الضباط والجنود السابقين إلى أن يحذوا حذوه بوصفه واحداً من أوائل كبار الجنرالات الذين قرروا الانخراط في مسار التسوية من الباب الإعلامي المفتوح.
اختبار العدالة الانتقالية
هذا التتابع بين صورتين متناقضتين تقريباً للرجل نفسه، ضابط يقبّل يد الرئيس السابق في تسريب قديم ويقول له إنّ يده وقدمه "تستحقان التقبيل"، ثم جنرال يسلم سلاحه لقوات كانت توصف بالأمس القريب بالـ"إرهابية"، هو ما جعل قضيته اختباراً مبكراً لملف العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة، إذ ينطلق كثير من الناشطين من حقيقة أنّ مخلوف كان جزءاً من حلقة القرار في الحرس الجمهوري، ومتهماً بإدارة ملف مناطق مثل الغوطة الشرقية التي شهدت حصاراً وقصفاً ومجازر موثقة، وبالتالي فإن أي تسوية معه من دون مسار قضائي واضح تبدو، في نظرهم، تفلتاً من المحاسبة تحت غطاء "النصر بلا ثأر".
في المقابل، يدافع من يبررون هذا النوع من التسويات عن خيار استيعاب الضباط الذين امتنعوا عن القتال في الأيام الحاسمة، ويعتبرون أنّ مساهمة شخصيات مثل طلال مخلوف في وقف إطلاق النار داخل دمشق، أو تجنيب أحياء من العاصمة معارك شوارع دامية، يمكن أن تحتسب لهم في ميزان "المصلحة الوطنية"، وتبرر منحهم مساراً خاصاً يختلف عن بقية المتهمين، مع تأجيل أسئلة المحاسبة إلى مرحلة لاحقة أو ربطها بنتائج عمل لجان الحقيقة والإنصاف التي لم تتشكل بعد.
غير أنّ معايير القانون الدولي وخبرات العدالة الانتقالية في بلدان أخرى تقدّم إطاراً أكثر حزماً تجاه هذا النوع من الملفات، فالمفوضية السامية لحقوق الإنسان تؤكد أن جوهر العدالة الانتقالية هو الاعتراف بالضحايا وترسيخ سيادة القانون، وأن المحاسبة عن الانتهاكات الجسيمة شرط لبناء ثقة حقيقية بالمؤسسات الجديدة ومنع تكرار الجرائم. بينما تشير تقارير البرلمان الأوروبي ودراسات متخصصة، إلى أنّ أي تسويات أو عفو شامل عن أصحاب القرار في الأنظمة السابقة، يمكن أن تقوض مسار الانتقال كله وتعيد إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب في ثوب جديد.
ليس ضابطاً واحداً
انطلاقاً من ذلك، يتحول سؤال طلال مخلوف من نقاش شخصي حول ضابط واحد، إلى مرآة لسؤال أوسع بكثير. هل يمكن لسوريا ما بعد الأسد أن تبني عقداً اجتماعياً جديداً من دون مساءلة جدية لمن كانوا في قلب ماكينة القتل والقمع؟ وهل يكفي أن يقرر جنرال في يوم سقوط النظام ألا يقاتل قوات "ردع العدوان" ويفتح باب التسويات للعسكريين، كي يعاد تعريفه كشريك في "التحول"، لا كمتهم يحتاج أن يواجه محكمة مستقلة بحقوق دفاع كاملة؟
وتبدو عيون السوريين اليوم بعد هذه التسريبات وكل ما يرافقها من روايات متقاطعة حول دور طلال مخلوف، أكثر اتساعاً وإصراراً على ألّا يمر ملف العدالة الانتقالية من دون حساب، فعائلات كثيرة ما زالت لا تعرف مصير أحبّتها المختفين قسراً، وكل خبر عن العثور على مقبرة جماعية جديدة يعيد فتح الجرح من أوسع أبوابه، ويجعل مشهد ضابط مثل مخلوف، الذي ارتبط اسمه بالغوطة الشرقية التي تعرّضت لهجمات كيماوية وقصف ممنهج وتحولت أحياؤها إلى واحدة من أكثر المناطق دماراً في سوريا، مشهداً مضاعِفاً للغضب والأسئلة معاً، إذ يذكّر السوريين بأن أي تسوية سياسية لا تضع حقوق الضحايا في المركز، ولا تتعامل مع أسماء كهذه ضمن ملفات قضائية مفتوحة ستبقى تسوية منقوصة.
