في ذكرى التحرير.. بريطانيا تهدي السوريات جائزتين دوليتين

مصطفى الدباسالاثنين 2025/12/08
Image-1765214500
سوريات يشاركن في احتفالات الذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الذكرى الأولى لتحرير سوريا من نظام الأسد المخلوع، أعلنت منظمة "عدل وتمكين" العاملة في الإعلام والحقوق فوزها بجائزتين دوليتين في الإعلام الهادف للعام 2025، ضمن جوائز "الإعلام المبتكر" الصادرة عن مجلة "Corporate Vision" البريطانية، في لحظة تتقاطع فيها استعادة البلاد لروايتها من قبضة النظام السابق، مع محاولة النساء السوريات استعادة موقعهن في صناعة هذه الرواية كفاعلات في الصف الأول للإعلام المستقل والعمل العام.

 

 

وحصلت المنظمة على جائزة "مبتكر العام في إعلام حقوق الجندر 2025" في الشرق الأوسط" وجائزة "التميز في التأثير للإعلام الهادف 2025"، وقدّمت المنظمة هذا الإنجاز  بوصفه إهداءً للنساء والصحافيات السوريات اللواتي حملن الكلمة في أصعب الظروف ووثقن الحقيقة ورفعن صوت الناس رغم المخاطر، قبل أن تختصر البيان بجملة مكثفة تقول فيها إن "سوريا تعود، ومعها تعود الكلمة الحرة، وتعود النساء إلى الصف الأول وفي قلب الحكاية". 

 

هوية شخصية في قلب ذاكرة جماعية

في تصريحات لـ"المدن"، اختارت المديرة التنفيذية لـ"عدل وتمكين"، هبة عزّ الدين، أن تعرّف عن نفسها ببساطة قائلة: "أنا… هبة، مواطنة سورية متل آلاف النساء اللاتي حاولن كتابة أصواتهن قبل أن أحد آخر عنهن"، وترفض اختزالها في لقب "مديرة" أو "ناشطة"، وتفضل أن ترى نفسها "شاهدة"، كما تقول، على بلد يحاول أن ينهض وعلى نساء لم يتوقفن عن حمل هذا البلد على أكتافهن وهن في قلب التعب اليومي. 

هذه الصياغة الذاتية، تبدو بعيدة عن لغة السير الذاتية والمؤتمرات، وأقرب إلى موقع أخلاقي تريد هبة أن تضع نفسها فيه، أي موقع من يرى عمله جزءاً من ذاكرة جمعية للنساء. 

 

 

وفي قراءتها للجائزة، قالت عزالدين إنها "لحظة امتنان"  لكل امرأة مرّت في مسار المنظمة وأعطتها سبباً للاستمرار، وكأن الجائزة  بهذا المعنى فرصة لإعادة تسمية الفاعلات الحقيقيات في الحكاية، النساء اللواتي كن موضوعاً للقصص وفي الوقت نفسه شركاء في كتابتها، سواء أكنّ ناجيات من الاعتقال أم عاملات في الإعلام الميداني، أو ناشطات في الدعم المجتمعي، وهو ما  أكدته عز الدين في وصفها لفريق "عدل وتمكين" بأنّه "في معظمه من النساء الشابات من كل سوريا، كثيرات منهن ناجيات من الاعتقال أو عاملات في التوثيق والإعلام الميداني"، أي أن الجسد الذي ينتج المحتوى، هو نفسه الجسد الذي دفع ثمن القمع.

 

Image-1765214339
هبة عزالدين (سوشيال ميديا)

 

منهجية.. سرد وتأثير

وحسب ما نقلته هبة عن الجهة المانحة، استند تقييم منح الجائزة لتجربة "عدل وتمكين" إلى ثلاثة محاور أساسية، أولها منهجية العمل في إنتاج محتوى مسؤول، لا يطارد أرقام التفاعل والمتابعات، بقدر ما يحاول احترام من تُروَى قصصهم، وثانيها طريقة سرد القصص من خلال التركيز على الذاكرة الحية وشهادات النساء وربط القصص بأسئلة العدالة الانتقالية، وثالثها مستوى التأثير المجتمعي للمحتوى، أي قدرته على التأثير في وعي الجمهور وخطاب السلم الأهلي وموقع النساء في الفضاء الرقمي، مما يضع المنظمة في خانة المنصات التي تحاول أن تبني جسراً بين الإعلام الحقوقي والعدالة الانتقالية، في بلد لم يخرج بعد بالكامل من ركام السجون والمجازر والانتهاكات.

 

 

والحال أن أي جائزة دولية، خصوصاً في السياق السوري، تبقى عرضة لأسئلة مشروعة حول المسافة بين اعتراف الخارج ومحدودية التغيير في الداخل. وحول ذلك، ربطت عز الدين قيمة التكريم بقدرته على إضاءة العمل الذي تقوم به نساء مجهولات غالباً في خلفية الصورة، أكثر من ربطه بمكانة المنظمة ككيان، بما يخفف من وهم أن المشكلة تحل بمجرد وضع ختم دولي على تجربة ما، بينما تبقى الشروط البنيوية لعمل النساء في الإعلام والعمل العام على حالها.

 

نساء في الصف الأول

وقالت عز الدين إن ما أعاد النساء إلى الصف الأول، هو الشجاعة والمعرفة والتجربة التي لم يستطع أحد إلغائها. وأضافت: "النساء لم يغبن عن الصف الأول بقدر ما غاب الاعتراف بهن، لكن حين تنتقل من هذه الجملة إلى الحديث عن الواقع المؤسسي تصبح الصورة أقل رومانسية". فالعوائق كما تسميها عز الدين، واضحة وبسيطة. وفقاً لها، هي "هياكل إعلامية لا تزال ذكورية في بنيتها وقراراتها وخوف عميق من صوت المرأة عندما يكون قوياً وصريحاً، وغياب سياسات حماية داخل المؤسسات تحمي النساء من العنف والتحرش والتمييز الأفقي والعمودي في أماكن العمل".

 

وحول حضور النساء في الحقل الإعلامي، أوضحت عز الدين أنه في غرف الأخبار السورية، سواء في الداخل أو في مؤسسات المهجر، تظهر النساء بكثافة في الصفوف الأولى للإنتاج الميداني كصحافيات ومراسلات ومنتجات محتوى، لكن طريقهن إلى مكاتب التحرير العليا يبقى مغلقاً أو مشروطاً، وغالباً ما تتم مكافأتهن بطريقة رمزية من خلال وضعهن في واجهة الحملات أو المؤتمرات بوصفهن "قصص نجاح"، في حين يبقى القرار التحريري والسياسي في يد مجموعة ضيقة من الرجال، كثير منهم جاؤوا من خبرات قديمة في مؤسسات النظام نفسه أو في منظومات سياسية ومعارضة تعيد إنتاج المنطق ذاته، الأمر الذي يحوّل "الصف الأول" إلى واجهة أكثر منه موقع قرار فعلي.

 

 

وأضافت: "تحول الفضاء الرقمي الذي يفترض أن يكون مجالاً أوسع لخطاب النساء خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة عنف مضاعف، فبينما يواجه الصحافيون والصحافيات عموماً حملات منظمة من التخوين والتشهير، تتعرض النساء بشكل خاص لعنف مركب يجمع بين الإهانة الأخلاقية والتهديد الجنسي واستهداف الأسرة والسمعة، مما يدفع كثيرات إلى الانسحاب الصامت أو ممارسة رقابة ذاتية قاسية على أنفسهن"،  وهو ما عبرت عنه هبة  صراحة حين أعلنت عن توقفها عن الكتابة في الشأن العام على وسائل التواصل، من دون أن تتوقف عن العمل في الشأن العام نفسه، فهي ترى أن "السوشيال ميديا لم تعد مساحة آمنة ولا عادلة للنقاش"، وأن العمل العام فعل مسؤولية، يجب أن يقاس بمدى حضوره في مواقع القرار وفي الواقع، لا بعدد المشاركات والتعليقات".

 

المجتمع المدني والحكومة الانتقالية

وفي سياق النقاش حول مستقبل الإعلام وحقوق النساء في سوريا بعد التحرير، طرحت عزالدين  تصوراً للعلاقة المطلوبة بين منظمات المجتمع المدني والحكومة الانتقالية، علاقة "شراكة" كما تصفها لا علاقة تبعية، ومساحة عمل مشتركة لا صراع على الصلاحيات، وتكامل خبرات لا تنافس على الشرعية، وأضافت: "المجتمع المدني يمتلك المعرفة الميدانية والقدرة على الوصول إلى الفئات الهشّة، بينما تمتلك الحكومة أدوات التنفيذ وصناعة السياسات العامة، وعندما يعمل الطرفان معاً يمكن نظرياً أن يبنى إعلام مستقل وعدالة انتقالية أكثر شمولاً وسياسات تحمي النساء في الفضاءين الرقمي والواقعي".

 

وأشارت عز الدين إلى أن هذا التصور يبقى بدوره مهدداً إذا لم تترجم هذه الشراكة في نصوص قانونية وفي هياكل واضحة للقرار، وأضافت: "غياب آليات مساءلة شفافة داخل المؤسسات الحكومية، ومحدودية تمثيل النساء في مواقع القرار داخل هذه المؤسسات نفسها، وتحوّل جزء من المجتمع المدني إلى مقاول مشاريع للمانحين أكثر من كونه قوة ضغط حقوقية يجعل النساء في موقع مضاعف من الهشاشة، يتأرجحن بين خطاب رسمي يحتفي بهن، وخطاب مجتمعي محافظ يشكك بدورهن، ومنظومة تمويل دولية لا تضمن دائماً استقلالية الخط التحريري أو الأولويات المحلية".

 

مشاريع مستقبلية

وحول المشاريع المستقبلية لـ"عدل وتمكين"، قالت عز الدين إن المنظمة تعمل حالياً على تطوير منصات تتناول السلم الأهلي والعدالة الانتقالية والأمان الرقمي للنساء، وعلى بناء محتوى أعمق، وعلى تدريب جيل شاب قادر على الكتابة بنفسه، لا أن يكون مجرد مادة مكتوبة من الآخرين. ويبدو هذا التوجه  كمحاولة للخروج من دور المنصة التي تروي مأساة الماضي إلى جهة تساعد في تنظيم ذاكرة هذا الماضي وتحويله إلى أداة ضغط من أجل العدالة، وفي الوقت نفسه تفتح نقاشاً مع الأجيال الجديدة حول معنى الأمان في فضاء رقمي تستخدم فيه النساء، في كثير من الأحيان، كأهداف سهلة للعنف والكراهية.

 

بهذا المعنى، يمكن قراءة جائزة "عدل وتمكين" كاختبار صغير لسؤال أكبر حول قدرة النساء على التحول إلى شريكات في صياغة السياسات الإعلامية والحقوقية في سوريا الجديدة، وأن ينتقلن من موقع الشاهدات إلى موقع صاحبات القرار. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث