جدلية علي حسن خليل.. إعلان نهائي عن التموضع الشيعي

نور الهاشمالسبت 2025/12/06
Image-1764947577
علي حسن خليل في بودكاست مع حسن الدر عبر قناة "طيون" في "يوتيوب" (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تقتصر رسائل بودكاست "رواية" الذي يقدمه الإعلامي حسن الدر، على مضامين تصريحات النائب علي حسن خليل، والتي قُرئت بتأويل أتاح فهمها من أكثر من زاوية، لا سيما حول تموضع الشيعة وموقفهم من اتجاهات المنطقة نحو تصفير الصراع المسلح مع إسرائيل.. فالبودكاست نفسه، جزء من قناة "طيون" في "يوتيوب" التي أطلقها الدر أخيراً، لتعميم لغة الحوار و"إنتاج رواية موحدة في البلاد".

 

والبودكاست المطول، الذي قدّم فيه النائب حسن خليل سردية لتجربة "حركة أمل" ولموقع الشيعة في النظام اللبناني، ولديناميتهم ضمن الجغرافيا والتنوّع الداخلي والتغييرات خلال العقود الماضية، بدّد الكثير من أسئلة الشارع والخصوم، حول موقع الشيعة، ومستقبل "الشيعية السياسية" بالشكل الحالي القائم على ثنائية (حركة أمل – حزب الله)، ومستقبل الطائفة في ظل المتغيّرات، وخياراتها السياسية والوطنية. 

 

 

مراجعة لتجربة الشيعية السياسية

حاول الدر أن يقوم بمراجعة موضوعية لتجربة سابقة، لا تتضمن جلداً للذات، وتخلو من "البهورة" والأوهام. فالحلقة التي امتدت ساعتين ونصف الساعة، قد تكون السردية الأدق للتاريخ والمستقبل، ومراجعة لتجربة كاملة بما شابها من صعود وانتكاسات وتحولات، تبدأ من خيارات الإمام موسى الصدر القائمة على ضرورة "اندماج الشيعة في أوطانهم"، وتأكيده على موقعهم داخل الدولة، وصولاً الى الأثر الكبير الذي ترتب على غيابه، بما شكّل انتكاسة أولى.. ثم بصعود الطائفة وضوابط استثمار القوة بما لا يشكل أي انقضاض على ميثاق العيش المشترك ودستور اتفاق الطائف، وصولاً الى الحرب الأخيرة والتقديرات التي تبدو متسرعة حول مستقبلهم، بتأكيده "إننا لسنا طائفة مأزومة، ولا طائفة مهزومة"، وأنها مكوّن أساسي من البلد يمتلك قدرات علمية وتربوية ومالية واقتصادية بما يصعب إلغاءها... مروراً بقراءة كاملة لتجربة حرب الإسناد، والانتكاسة الثانية باغتيال أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله... 

 

عودة عن الأممية الشيعية

والحال أن هذا الخطاب، الذي يستند الى تجربة الصدر (وهو نموذج شيعي للانفتاح وأكثر قيادييهم مقبولية من قبل الطوائف الأخرى)، لم يُعد خليل التذكير به من باب النوستالجيا، بقدر ما يقدمه كخريطة طريق للمستقبل. فالشيعة اليوم، الذي وضعوا قضيتهم في عهدة الدولة، ويدعونها لحملها على محمل الجدّ، تخلوا بعد نتائج حرب الإسناد عن الأممية الشيعية، بمعنى التراجع من الإقليم إلى حدود لبنان، والتعاطي مع إيران كشمس لا يمكن الابتعاد عنها منعاً للتجمّد، ولا يمكن الإلتصاق بها، منعاً للإحتراق. 

 

منذ العام الماضي، بدأت رحلة التموضع في الداخل، وتنسحب الرحلة على "حزب الله" نفسه الذي يتموضع سياسياً كحزب مُمثّل في البرلمان والحكومة والإدارة، وأَحَال سلاحه، في المبدأ، الى الدفاع تحت سقف الدولة.. ولا ينفكّ، سلوكياً، عن تفهّم وضعية الدولة وتحركاتها وخطابها الذي يسير على حافة سكين: ضغوط دولية واعتداءات اسرائيلية من جهة، ومحاذير الانزلاق إلى صدامات داخلية من جهة أخرى.

 

 

تفهّم ضرورات الدولة

وإذا كان الحزب، لأسباب سياسية واقليمية وشعبية، لن يقرّ بـِ "تفهّم" ضرورات الدولة وخياراتها، فإن خليل أقرّ به، بمعنى التموضع تحت سقف الدولة، بمعزل عن الموقف المبدئي، وذلك حين تكون الدولة مضطرة لذلك، وهو ما أثار سجالات في مواقع التواصل حول التصريح، بوصفه إعلاناً عن القبول بالتطبيع أو باتفاقية سلام، حسبما قال خصوم "الثنائي الشيعي"، رغم أن التصريح انطوى على تأويل للمعنى. 

 

وكان خليل قال في القسم الأخير من البودكاست: "لا يتوهمن أحد أنه لاعب كبير في المنطقة قادر على فرض أي شيء مرتبط بالسلام أو غيره، فنحن بنهاية المطاف مكوّن من المكونات، ويمكن أن يبقى موضوع العداء لإسرائيل مسألة مبدئية بالنسبة الينا لكن الوقائع على الأرض قد تكون مختلفة"، متحدثاً عن "نظرية ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب". والمفهوم من هذه العبارة، أن العداء مبدئي، وأنه إذا كانت الدولة ستتخذ قرارها، فذلك لا يعني أن الطائفة ستوافق، لأن خيار الدولة خاضع للتفهّم، وفي المقابل، على الدولة أن تتفهم أيضاً خيارات الأفراد. 

 

ووفق معلومات "المدن"، فإن سقف رئيس البرلمان نبيه بري في أي تحرك دبلوماسي في التفاوض، لن يتخطى تثبيت اتفاقية هدنة 1949، بما فيها تموضع "حزب الله" خارج منطقة جنوب الليطاني، وتموضع الشيعة داخل أوطانهم. أما التفاوض الحالي، فيقتصر على الانسحاب الاسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف الاعتداءات وإعادة الاعمار وعودة السكان الى منازلهم وقراهم.. 

 

حوار جريء

تلك الرسائل، تعلن بما لا يقبل الشك، التموضع الشيعي الجديد، الذي لا يعني أنهم مهددون وجودياً، ويثبت أنهم جزء من الدولة. قد يكون البودكاست، أول حوار شفاف وجريء عن التموضع الشيعي، ويتضمن دعماً مطلقاً لهذا المسار، وينسجم مع أهداف بودكاست "رواية" وقناة "طيون" التي تنطلق من هدف "مخاطبة اللبنانيين بلغة حوار حقيقي يخلو من أي استفزاز"، وتستند في خلفيتها الى "روحية الإمام الصدر"، كما يقول الدر فلي تصريحات لـِ "المدن". 

 

والدر الذي أسس القناة أخيراً في "يوتيوب"، ينطلق من مشروع طموح. يقول إنه يريد منها "وضع حد لخطاب الكراهية، وتعزيز الحوار، وتقديم محتوى مختلف عن السائد يخفف من الاحتقان، ويطرح الأمور الجدلية بواقعية وهدوء ويجيب على أسئلة الناس". ويضيف: "على مسؤوليتي الشخصية، أسعى لتقديم خطاب بطريقة مختلفة، تنقل القضايا اللبنانية في اتجاهات متعددة"، موضحاً أن الرواية التي يقدمها "لا ترتبط بسياسة آنية، هي أشبه بمكتبة مرئية يستفيد منها المتلقي بعد خمسين سنة". 

 

التجربة السياسية للطوائف

وبدأ "البودكاست" من نقاش في "الشيعية السياسية"، انطلقت مع النائب علي حسن خليل، وستُستكمل مع ثلاثة باحثين آخرين، بينهم مؤرخ ورجل دين، وتُستتبع بأربع حلقات شبيهة تناقش "المارونية السياسية" وأخرى تناقش "السنية السياسية"، وغيرها. ويقول الدر: "نريد تقديم رواية موحدة للبلد. أنا إبن بيئة المقاومة، لكني أسعى للوصول الى الآخر. أريد مساحة حوار تضم الجميع، لنتحدث لغة مشتركة ونفهم على بعض".

 

ويراعي "البودكاست" معايير هذا المحتوى الإعلامي، من ناحية الإضاءة والشكل والحوار، وهو مختلف عن تجارب لبنانية أخرى تُقدم على طريقة حوارات "التوك شو". ويقول الدر: "هو بودكاست نوعي، لا أتوق لإضافة قناة على القنوات الموجودة، فالهدف غير تجاري ولا أسعى لجمع أرقام مشاهدات؛ بل أريد تقديم محتوى فكري بمستوى ثقافي رفيع". 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث