داريا: حيوات وأحياء تنهض من تحت الردم

المدن - ميدياالجمعة 2025/12/05
Image-1764927759
الرسام بلال شوربة يعود إلى داريا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد إطاحة حكم الرئيس السابق بشار الأسد، عاد الرسام بلال شوربه الى مدينة داريا ليفاجأ بأن عدداً من الجداريات التي رسمها قبل نحو عقد من الزمن لتحاكي تجارب الحصار والاعتقال والتوق للحرية، مازالت صامدة.

 

وفي المدينة الوحيدة التي أخلاها الحكم السابق تماماً من سكانها في ذروة سنوات النزاع السوري، تفقد شوربه (31 عاماً) إحدى رسومه على جدار مهدم في أحد الأحياء. وتجسد "سمفونية الثورة" كما أسماها، كيف تحولت التحركات السلمية الى نزاع مسلح تعددت أطرافه. وظهرت في الرسم فتاة برداء أبيض تعزف الكمان، وخلفها جندي يصوب بندقيته تجاهها، ومن خلفه مقاتل يلاحقه ويقع بدوره تحت مرمى بندقية مقاتل من تنظيم "داعش" حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".

 

ورأى شوربه الذي قضى السنوات الأخيرة لاجئاً في تركيا، وعاد الى دمشق بعد تسلم السلطات الانتقالية الجديدة الحكم في البلاد، أن بقاء عدد من جدارياته الثلاثين بعد كل هذه السنوات هو "انتصار". وقال: "رغم دخول النظام الى المنطقة وتهجيرنا، بقيت تلك الرسومات البسيطة، وهو هرب".

 

وفي آذار/مارس2011، كانت المدينة الواقعة على بُعد سبعة كيلومترات جنوب غربي دمشق، في طليعة حركة الاحتجاج السلمي ضد السلطة، ووزع المتظاهرون فيها، وبينهم غياث مطر الذي اعتقل وقتل تحت التعذيب، الورود والمياه على الجنود.  لكن مع تطور الأحداث الى نزاع دام، شهدت داريا مجزرة في صيف 2012 قتل فيها 700 من سكانها على أيدي القوات الحكومية السابقة ومقاتلين موالين لها، قبل أن يحاصرها هؤلاء بشكل محكم لنحو أربع سنوات. وأسفرت الهجمات عليها عن تشريد كل سكانها الذين تجاوز عددهم 250 ألفاً، بين نازحين ولاجئين في دول الجوار وصولاً الى أوروبا التي استقطبت قبل عقد موجة كبرى من اللاجئين.

 

والعام 2013، وصل شوربه الى داريا آتياً من دمشق المجاورة، للالتحاق بالمعارضة المسلحة. أحضر معه "حقيبة صغيرة فيها دفتر رسم وأقلام تلوين ورواية البؤساء، مع ثياب تكفي ليومين أو ثلاثة". ولم يتوقع حينها أن الحرب ستغير حياته، وأنه سيبقى مع بضعة آلاف من سكان داريا محاصرين لنحو أربع سنوات اضطروا خلالها الى طهي الحشائش والأعشاب بعد منع دمشق دخول المساعدات الغذائية الى المنطقة. في آب/أغسطس 2016، أخلت السلطات من تبقى من سكان ومقاتلين الى محافظة إدلب.

 

ومن إدلب التي شكلت خلال سنوات النزاع وجهة أساسية لمعارضي الأسد، انتقل شوربه الى تركيا حيث طور مهاراته في الرسم، وبقي فيها حتى الإطاحة بالأسد. وقال أن طموحه أن يساهم وبقية الرسامين في "طمس" جداريات الحقبة الماضية التي مجدت عائلة الأسد وحزب "البعث" اللذين حكما البلاد بقبضة من حديد لأكثر من خمسة عقود.

 

وشرح شوربه أن الجداريات الجديدة يجب أن "تمجد من ضحى ومن عمل ومن كان سبباً في تحرير سوريا، وتذكرنا بألا نعود الى الخطأ ذاته: أن يستبد احدهم بالسلطة أو يحتكرها او يؤذي الآخر".

 

وفي العام 2019، بعدما كانت قوات الأسد استعادت السيطرة على مناطق واسعة خسرتها في السنوات الأولى من الحرب، سمحت دمشق لسكان داريا، خصوصاً النازحين الى محيطها، بالعودة تباعاً بعد تدقيق أمني. وكان غالبية العائدين من النساء والأطفال والمسنين. وبعد 8 كانون الأول/ديسمبر، عاد عشرات الآلاف من السكان، خصوصاً اللاجئين الى دول الجوار، وبينهم أطباء ومهندسون وعمال ومزارعون. وحمل عديدون منهم خبراتهم الجديدة ومهاراتهم وحتى أموالهم الى داريا.

 

وعاد كذلك ناشطون وحقوقيون اختبروا آليات العمل الديموقراطي ومناخ الحريات في دول اللجوء، والتي لم يتذوقوا طعمها يوماً في سوريا.  وتختصر داريا، المدينة التي يمكن منها رؤية القصر الرئاسي بالعين المجردة، مأساة حرب قتلت أكثر من نصف مليون شخص وشردت الملايين. أحياء بأكملها سويت بالأرض، مرافق خدمية مدمرة، شح في المياه والكهرباء وغياب الاتصالات عن أحياء عدة. ربع آبار المدينة فقط تعمل ومياه الصرف الصحي تفيض في أحياء عدة.

 

وبحسب مسح أجرته "الجمعية الأميركية للمهندسين السوريين" في نيسان/أبريل الماضي، تدمر نحو 65% من أبنية المدينة تماماً، وتضرر حوالي 14%. أما النسبة المتبقية، فهي صالحة للسكن، لكنها تحتاج الى ترميم نسبي وإكساء. ورغم ذلك، لم يتردد حسام اللحام (35 عاماً) في العودة مع عائلته التي كونها في إدلب، ليرزق بأصغر بناته الثلاث في دمشق هذا العام.

 

وقال اللحام الذي نشط بعد العام 2011 في العمل الإغاثي داخل داريا قبل أن يصبح قائداً عسكرياً ويغادرها في عداد من تم اجلاؤهم منها العام 2016: "قررنا أن نعود إلى داريا، لأننا الوحيدون القادرون على إعادة بناء منازلنا". وأضاف الرجل الذي يقود لجنة المبادرات ضمن الإدارة المدنية لداريا: "إذا أردنا انتظار المجتمع الدولي والمنظمات، ربما لا نرجع.. نرمم بيوتنا بأنفسنا لكن نريد المساعدة في البنى التحتية".

 

وتعول السلطات الجديدة على دعم دولي لإطلاق مرحلة إعادة الإعمار، لكن الأولويات كثيرة والإمكانات المتوفرة متواضعة. وتعني العودة الى داريا أيضاً للحام الذي فقد خلال الحرب أكثر من ثلاثين شخصاً من أقربائه وأصدقائه، الوفاء "للسوريين الذين دفعوا ثمناً باهظاً من أجل حريتهم".

 

وكرس لحام الذي استأنف أيضاً الدراسة في اختصاص إدارة الأعمال، جزءاً كبيراً من وقته مع متطوعين لجمع المساعدات وإقامة اتصالات مع منظمات من أجل الحصول على تمويل لتأهيل مرافق متضررة بينها مدرسة ومستشفى. وقال: "أنهض صبيحة كل يوم وأقول لنفسي.. يجب أن نبحث عن متبرع جديد".

 

وبينما سوت العمليات العسكرية أحياء بأكملها بالأرض على غرار حي الخليج المحاذي لقاعدة المزة العسكرية، تبدو أحياء أخرى مهدمة جزئياً شبه مقفرة، وتقتصر الحركة فيها على سكان يقطنون منازل رمموها على عجل في أبنية متصدعة. وتبدو أحياء أخرى أقل تضرراً أشبه بخلية نحل. يتوزع عمال على الأسطح، يرممون مدرسة هنا ويعيدون بناء واجهة مبنى هناك، بينما ينهمك آخرون بإعادة تأهيل مضخة مياه أو نقل مفروشات صنعت في المدينة التي يكاد لا يخلو حي فيها من ورشة نجارة. 

 

والقطاع الطبي من أكثر القطاعات تضرراً، نتيجة خروج أربعة مستشفيات خلال الحرب من الخدمة، أبرزها "مستشفى داريا الوطني" الذي افتتح العام 2008 بقدرة استيعابية تصل الى نحو 200 سرير.  وبات المستشفى المصمم أساساً لخدمة أكثر من مليون شخص، عبارة عن هيكل خرساني ضخم أخرجه القصف من الخدمة صيف 2016. ثم نهبت محتوياته بالكامل واقتلع بلاطه وأسلاك الكهرباء وأبواب ونوافذ منه.. 

 

وقال اللحام: "لا توجد في داريا اليوم غرفة عمليات أو مستشفى" للحالات الطارئة، بينما تقتصر الخدمات الطبية بشكل رئيسي على مركز طبي تشغله منظمة "أطباء بلا حدود" حتى نهاية العام.  وأعرب عن اعتقاده بأن "تأمين خدمات صحية من شأنه أن يشجع الناس على العودة".

 

ولجأ أطباء داريا من أصحاب الاختصاصات الى دول عدة بينها مصر والأردن وتركيا وصولاً الى أوروبا. ولم يعد الجزء الأكبر منهم. لكن الاختصاصي في جراحة الأنف والأذن والحنجرة الدكتور حسام جاموس (55 عاماً) قرر العودة من الأردن، بعد مغادرته وعائلته العام 2012. وقال من داخل عيادة جديدة افتتحها في داريا وعلق على أحد جدرانها شهاداته التي حصل على بعضها في الأردن: "توقعت دماراً كبيراً لكن ليس الى هذه الدرجة".

 

وفي الأردن، كان القانون يحول دون أن يزاول جاموس مهنته كطبيب، هو الذي ترك في أدراج عيادته السابقة ملفات أكثر من 32 ألف مريض عاينهم. فاختار العمل كمتطوع في جمعية خيرية ثم مستشفى تابع لـ"الهلال الأحمر الإماراتي". وعلى مدخل عيادته الجديدة الذي اخترقه الرصاص، رفع جاموس لافتة كبيرة تحمل اسمه ومجالات تخصصه. وبعد أسابيع من العمل، تجاوز عدد مرضاه المئات، من أطفال مصابين بالتهاب اللوز الى مرضى يعانون من "ثقوب في غشاء طبلة الأذن أو كسور أنف جراء الضرب تحت التعذيب أو الاعتقال". وتابع: "كما خدمت أبناء بلدي اللاجئين في الأردن، أتابع اليوم الخدمة ذاتها في بلدي".

 

والعودة الى سوريا هي كذلك هدف فريق عمل جريدة "عنب بلدي" التي طبعت أولى أعدادها في داريا العام 2012 قبل أن تنتقل الى بلدان عدة بينها تركيا وألمانيا. ومن "فكرة حالمة" بدأتها مجموعة ضمت أكثر من 20 شاباً وشابة قتل أربعة منهم خلال المرحلة التأسيسية، باتت الصحيفة التي تصدر اليوم إلكترونياً من دمشق، من أبرز المنصات المستقلة في سوريا.

 

وأمام منزل مهدم صدر منه العدد صفر، قال أحد مؤسسي الصحيفة ومدير تحريرها عمار زيادة (35 عاماً): "كانت فكرتنا حينها أن نصدر صحيفة محلية في داريا.  لم نتوقع أبداً أن تتوسع ويصبح لها هذا الحضور على خريطة الإعلام في سوريا".

 

ومع عودة عدد من فريق المنصة من الخارج حيث طوروا مهاراتهم وخبراتهم، وانضمام صحافيين شباب اليها من خلفيات متعددة مناطقيا ودينيا، تعمل "عنب بلدي"، بحسب زيادة، على إنتاج "محتوى مهني مستقل" بعد عقود فرضت خلالها السلطات المتعاقبة قيوداً على عمل الصحافة وحولتها أداة دعائية. ويأمل زيادة أن "ينتزع الإعلام المستقل مساحة من الحرية المتاحة حالياً" في سوريا رغم التحديات، مضيفاً: "ندفع لأن يكون مهنياً ويتمكن من نقل صوت الناس وألا يكون تابعاً أو موجهاً سياسياً من أجل خدمة الأطراف السياسية".

 

ويقطن حاليا في داريا، وفق بلديتها، نحو مئتي ألف شخص، ثمانون ألفاً منهم عادوا بعد الإطاحة بالأسد. وبين هؤلاء النجار محمد نكاش (31 عاماً) الذي اصطحب زوجته وطفليه عمر (ست سنوات) وحمزة (ثماني سنوات) المولودين في تركيا، ليتعرفا الى عائلته ويترعرعا في المدينة. ويعمل نكاش الذي انشق عن الجيش العام 2012 وقتل له شقيق في السجن، في ورشة نجارة يملكها والده، في حرفة تتوارثها عائلته على غرار عائلات كثيرة في المدينة.

 

وقال نكاش أن طفليه واجها في البداية صعوبة في الاندماج: "عندما وصلنا الى هنا لم يقتربا من والدي وإخوتي"، ما دفعه لعرضهم على ثلاثة أطباء ظناً منه أنهم يعانيان من التوحد. لكن بعد بضعة أشهر، اعتاد الطفلان على العائلة وأطفال الحي، وباتا يرتادان مدرسة قريبة، على غرار 14 ألف طالب يشقون طريقهم يومياً بين أبنية مهدمة الى 17 مدرسة، من إجمالي 24 كانت موجودة قبل 2011، بحسب مسؤول تربوي رفض الكشف عن اسمه.

 

ويشكو القطاع التعليمي اليوم من نقص كبير في عدد المدرسين والتجهيزات ومن صعوبات لدى الطلاب الذين ولدوا في دول اللجوء، مع عودة أكثر من مليون سوري منذ سقوط حكم الأسد، بحسب الأمم المتحدة، نصفهم من تركيا. وقال المسؤول التربوي أن التلاميذ القادمين من تركيا يواجهون "صعوبة تتعلق باللغة العربية التي يتكلمونها لكن لا يجيدون كتابتها"، ما يدفع الإدارة التربوية الى "تنظيم دورات في اللغة العربية".

 

ورغم الصعوبات والتحديات، يحاول نكاش أن يبني حياته من جديد، ويطمح لإعادة بناء منزله المهدم. وقال رئيس بلدية داريا محمد جعنينة أن مواطنين "عادوا ووجدوا منازلهم مدمرة يطالبوننا بتأمين المأوى أو الدعم" لإعادة بناء منازلهم. ويواجه عدد كبير من السكان عقبة رئيسية تتمثل في صعوبة إثبات ملكياتهم بسبب فقدان مستنداتهم، ما يحول دون قدرتهم على إعادة البناء، وهي معضلة يواجهها السوريون في مدن عدة.

 

وفي داريا، لا تشكل الأبنية المهدمة وحدها شاهدا على حقبة الحرب.  ففي "مقبرة الشهداء" التي استحدثت خلال الحرب، ترقد جثامين 421 شخصا من المدينة موثقين بالاسماء، قتلوا بين العامين 2012 و2016. وتضم المقبرة كذلك مدفناً جماعياً فيه جثث مجهولة الهوية دفنت في جزء كبير منها بعد مجزرة داريا.

 

وروى عدد من سكان المدينة كيف عمل المقاتلون والناشطون قبل رحيلهم على نزع شواهد القبور بعد تصويرها، ثم طمسها  بالتراب، خشية عبث القوات الحكومية بها انتقاماً. لكنهم فور عودتهم، أعادوا تنظيم المقبرة ووضع الشواهد استناداً الى صور التقطوها. وقالت آمنة خولاني، ابنة داريا وعضوة "الهيئة الوطنية للمفقودين" التي شكلتها السلطات الجديدة، بينما زارت المقبرة: "في داريا غصة، قسم كبير من الأهالي لا يعرفون أين أولادهم. لا قبر لعائلتي الصغيرة هنا. أنا اليوم في نضال لأحصل على قبر لإخوتي الثلاثة".

 

واعتقلت القوات الحكوميةالسابقة أشقاءها وتبلغت العائلة لاحقاً بإعدامهم. وظهرت صورة أحدهم في "ملفات قيصر" التي ضمت أكثر من خمسين ألف صورة لمعتقلين قضوا في السجون السورية إبان فترة قمع الاحتجاجات السلمية. ومازالت عشرات آلاف العائلات في سوريا تنتظر معرفة مصير أفرادها ممن كانوا معتقلين في سجون الحكم السابق ولم يخرجوا منها بعد إطاحته.

 

ويعد ملف المفقودين بين الملفات الأكثر تعقيداً التي أفرزتها الحرب السورية ويحتاج سنوات من العمل والتوثيق وخبرات تقنية غير متوافرة محلياً. ومنذ أشهر، تتنقل خولاني بين بريطانيا التي منحتها اللجوء مع أسرتها، وسوريا حيث تحلم ببناء "دولة مواطنة تتحقق فيها العدالة ومحاسبة المجرمين". وقالت السيدة التي تحدثت مرتين أمام مجلس الأمن الدولي وتنشط في منظمات عدة: "بعد نضالنا سابقاً للتخلص من الأسد، نبحث اليوم عن قبور. نريد قبوراً ونريد الحقيقة. ونريد دفنهم بطريقة تليق بهم وتكرم ذكراهم".

 

وعلى جدار داخل المقبرة، رسم شوربه بعد عودته الى داريا جدارية تظهر فيها طفلة تحمل وردة حمراء، تحلم بوضعها على قبر والدها. لكن والدها، على غرار ضحايا كثر، لا قبر له.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث