بانتظار الترخيص...فضائية إيرانية مُعارضة "تبث من قلب دمشق"

مصطفى الدباسالجمعة 2025/12/05
Image-1764861989
إيرانيان يرفعان علم إقليم الأحواز في مناسبة سابقة (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ترافق إعلان تنفيذية دولة الأحواز عن انطلاق بث فضائيتها "من العاصمة السورية دمشق" مع موجة تفاعل واسعة في وسائل التواصل، بعدما نشر موقع دولة الأحواز بياناً قدم الخطوة بوصفها "تجسيداً لعمق الترابط العربي ووحدة المصير"، مؤكداً أن الفضائية تحمل من دمشق "رسالة شعب يسعى لاستعادة صوته ومكانته بين أمته العربية"، وأن البث من "عاصمة العروبة" يهدف إلى فتح نافذة تنقل "حقيقة ما يجري في الأحواز" وإبراز نضال الأحوازيين وهويتهم وثقافتهم وتطلعاتهم.

 

و"دولة الأحواز"، هي منظمة انفصالية عن إيران، تقدم خطاباً قومياً عربياً، وتعتبر من المنظمات المعارضة لطهران. ويعتبر اقليم "الاحواز" او "عربستان"، منطقة ذات أغلبية عربية في جنوب غرب إيران، ويضم محافظات مثل خوزستان.

 

Image-1764861946
خريطة الأحواز

 

هذه الرسالة السياسية كررها الرئيس التنفيذي لفضائية دولة الأحواز ورئيس التنفيذية، عارف الكعبي، في منشور عبر منصة "إكس" واصفاً دمشق أنها منبر تاريخي للقضايا العربية، وستكون القناة منصة لإيصال هذه الرسالة إلى العالم، مشدداً على أنّ "الصوت العربي واحد" وأنّ القضية الأحوازية "حاضرة في قلب كل عربي".

 

 

وبالبحث في موقع "شبكة دولة الأحواز الإعلامية" يمكن للمتابع أن يرى على البث التجريبي للشبكة الإعلامية المرتبطة بالقناة شاشة ثابتة مع موسيقى، تحمل عبارة "قريباً فضائية دولة الأحواز من دمشق"، وهو ما يعكس رهاناً دعائياً مبكراً على أنّ الترخيص سيتحول إلى واقع.

 

وزارة الإعلام: لا ترخيص حتى الآن

في الجانب السوري، نفى مسؤول العلاقات العامة في وزارة الإعلام، علي الرفاعي، وجود أي بث حالي لفضائية دولة الأحواز من داخل دمشق، وأكد في تصريح خاص لـ"المدن" أنّ الوزارة لم تمنح القناة ترخيصاً يسمح لها بالبث الفضائي من سوريا، وأنّ ما يجري تداوله في وسائل التواصل لا يستند إلى إجراءات مكتملة داخل الوزارة.

 

"من قلب دمشق"

بدوره، أوضح مسؤول الشؤون الصحافية في مديرية التراخيص الإعلامية بوزارة الإعلام عمر حاج أحمد أنّ القناة "قدمت ضمن مديرية التراخيص على فتح مكتب اعتماد لها في دمشق، وذلك بعد مخاطبة مديرية الإعلام الخارجي اصولاً"، لكن "حتى اللحظة لم تُمنح الفضائية ترخيصاً لاعتماد مكتبها في دمشق، وبالتالي لا يحق للقناة البث الفضائي من داخل سوريا او من دمشق"، ما يضع عبارة "من قلب دمشق" في خانة الخطاب السياسي، في انتظار قرار اللجنة المختصة.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان طلب الترخيص يستوفي الشروط، وما إذا كان يمكن توقع انطلاقة قريبة فعلية من دمشق، أوضح حاج أحمد أنّه "لا تأكيد من قبلنا على قبول الترخيص أو رفضه، والأمر متروك للجنة التراخيص من حيث استكمال الثبوتيات إضافة للسياق العام، خاصة أن القناة لديها منحى مختلف عن باقي القنوات"، في إشارة واضحة إلى أنّ مضمون القناة وطبيعة خطابها السياسي يدخلان في حسابات اللجنة عند البت في الطلب، إلى جانب الجوانب الإجرائية.

 

600 طلب ترخيص

حاج أحمد قدّم ايضاً سياقاً رقمياً أوسع لخريطة الإعلام الجديد في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتحرير البلاد، موضحاً أنّه "حتى اللحظة قدمت أكثر من 600 مؤسسة إعلامية طلبات للترخيص في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتحرير سوريا، ومنحت التراخيص لقرابة 370 مؤسسة، والباقي قيد استكمال الشروط"، وبين هذه المؤسسات "12 قناة أو مكتب اعتماد قناة في سوريا"، ما يعني أنّ ملف فضائية دولة الأحواز يأتي ضمن موجة اعادة تشكيل واسعة للمشهد الإعلامي، مع حضور قنوات ذات خطوط سياسية مختلفة، تخضع كلها لآلية ترخيص موحدة.

 

قناة بخطاب قومي

وتقدّم "فضائية دولة الأحواز" نفسها بوصفها منبراً سياسياً وإخبارياً يخاطب الجمهور العربي ويعنى حصراً بالقضية الأحوازية، وتشير مواد تعريفية سابقة إلى أنّ القناة جزء من منظومة إعلامية تتبع لتنفيذية دولة الأحواز العربية تضم موقعاً إخبارياً ومجلة شهرية بعدة لغات، وتصف الفضائية بأنّها منبر "لكل الأحوازيين الوطنيين" يخدم أهداف "الشعب العربي الأحوازي المناضل من أجل حريته واستعادة دولته".

وتشمل تغطية القناة نشرات إخبارية وتقارير ميدانية عن الانتهاكات التي تقول الحركات الاحوازية إن السلطات الإيرانية ترتكبها في الإقليم، إضافة إلى برامج حوارية وسياسية وقانونية، وبرامج ثقافية عن الأدب والشعر الأحوازي، وبرنامج يربط الأحواز بسياق "عروبة الخليج"، وبرنامج بالفارسية يخاطب الجمهور داخل إيران، إلى جانب محتوى تفاعلي يتابع نقاشات منصات التواصل المتعلقة بالقضية.

 

 

غير أنّ التعبير الأوسع عن المشروع الذي تحمله القناة يتجاوز خطها التحريري المباشر، ويتصل بما تسميه "دولة الأحواز" نفسها، أي الإقليم العربي الواقع على الضفة الشرقية للخليج، والذي يشكل اليوم الجزء الأكبر من محافظة خوزستان في جنوب غرب إيران، حيث يعيش عرب يشكلون نسبة كبيرة من سكان المحافظة، في منطقة غنية بالنفط وتشكل منفذاً استراتيجياً لإيران على الخليج.

ويقدَّم هذا الإقليم في سردية التنظيمات الاحوازية بوصفه دولة عربية مستقلة "احتلتها إيران عام 1925"، ويُستخدم مصطلح "الاحتلال الإيراني" أو "الاحتلال الفارسي" في بيانات أحزاب وحركات مختلفة، بعضها مسلح تدعو إلى "تحرير الأحواز" وإقامة دولة عربية مستقلة، وتطرح خرائط توسع نطاق "دولة الأحواز" ليشمل أجزاء أوسع من جنوب وغرب إيران، بالاستناد إلى قراءة قومية عربية للتاريخ والسكان والموارد.

من جهتها، تتعامل طهران رسمياً مع خوزستان بوصفها محافظة إيرانية ذات سيادة كاملة، وتنظر إلى هذه الحركات باعتبارها حركات انفصالية مدعومة من قوى خارجية، وتتهم بعض اذرعها بارتكاب عمليات ارهابية في سياق صراع مستمر حول الهوية والموارد والتمثيل السياسي في الإقليم.

 

"دولة الأحواز" في القانون الدولي

على المستوى القانوني الدولي، لا تحظى "دولة الأحواز" بأي اعتراف من الأمم المتحدة أو الجامعة العربية، ولا توجد دولة عربية تعترف بها ككيان مستقل، رغم وجود تعاطف سياسي وإعلامي مع القضية الأحوازية في بعض الأوساط العربية تجلى في بيانات ومطالبات رمزية في برلمانات وصحف بقيت جميعها خارج إطار الاعتراف الرسمي أو العلاقات الدبلوماسية، ما يجعل الفضاء الإعلامي احد المساحات القليلة التي تحاول من خلالها الحركات الأحوازية تكريس سردتها، وتوظيف رمزية عواصم مثل دمشق كمنصات بديلة للتمثيل السياسي.

ضمن هذا المشهد، تتحول عبارة "قريباً من دمشق" إلى أكثر من شعار تسويقي، فهي محاولة لربط مشروع إعلامي وسياسي أحوازي بسردية عربية أوسع عن ما بعد سقوط نظام الأسد وتحرير سوريا، وعن دور العاصمة السورية في احتضان قضايا تعتبرها هذه الحركات امتداداً للصراع مع إيران في الإقليم، بينما تواصل وزارة الإعلام السورية التعامل مع الملف وفق آلية ترخيص رسمية، تنظر في "السياق العام" وفي "المنحى المختلف" للقناة، قبل أن تقرر ما إذا كان شعار "من قلب دمشق" سيتحول إلى واقع قانوني على شاشات قمر "نايلسات"، ام سيبقى في حدود اللغة السياسية والوعود المؤجلة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث