نشَر الصحافي السوري عبدالرحمن تقي الصغير على حسابه في "إنستغرام"، مقطع فيديو جديداً من سلسلة مقابلات مع ثوار من حي ركن الدين والغوطة الشرقية، ممن أجبروا على مغادرة دمشق إلى إدلب في ما عُرف حينها بـ"الباصات الخضراء"، وهي الحافلات التي شكّلت رمزاً لعمليات التهجير القسري التي رافقت اتفاقات "المصالحة" خلال العام 2017 بعد حصار خانق فرض على الأهالي في معظم أرياف دمشق.
ويعود تقي الصغير في الفيديو إلى شوارع ركن الدين التي شهدت أولى المظاهرات ضد النظام في دمشق، مستعيناً بشهادات أحد ناشطي الحي المعروف باسم "أبو نعيم"، الذي يروي كيف خرجت التظاهرات السلمية الأولى في نيسان/أبريل 2011 من أمام جامع سعيد باشا، وكيف تحوّلت لاحقاً إلى عمل مسلح بعد أشهر من القمع والاعتقالات والتصفية الميدانية، وصولاً إلى تشكيل مجموعات مسلحة قاتلت في ريف دمشق والغوطة الشرقية، وما خلّفته تلك المرحلة من معتقلين وشهداء في صفوف أبناء الحي.
ويركز الفيديو الذي نشره الصحافي على رحلة التهجير ذاتها، إذ يصف عدد من الثوار الطريق من دمشق إلى إدلب باعتبارها "رحلة عذاب" امتدت 24 ساعة، رغم أن المسافة لا تتطلب في الظروف العادية أكثر من أربع ساعات، ويتحدثون عن غياب الطعام ومياه الشرب داخل الباصات، في وقت كان على متنه عائلات كاملة وأطفال ومرضى، ما حول الانتقال القسري إلى تجربة قاسية جسدياً ونفسياً.
وتشير الشهادات إلى أنّ قوات النظام تعمّدت اختيار مسارات تمر عبر أحياء ومناطق موالية للأسد، حيث أجبرت الحافلات على العبور ببطء وسط حشود من المدنيين والمسلحين الموالين للأسد، ممن استقبلوا الخارجين بهتافات مهينة وشتائم وبعضهم كان يحمل الأحذية ويرفعها باتجاه الباصات وهو يصرخ "إرهابيين"، في مشهد أراد أن يكرّس رواية النظام عن الثوار كأعداء للبلاد لا كضحايا حصار وقصف وتجويع.
ويوثق الفيديو حواراً قصيراً بين رجل من الموالين للنظام يقف خارج الباصات وبين أحد الثوار الجالسين قرب النافذة، إذ يسأله الأول بسخرية وعدائية "لماذا لم تبقَ وتُقتل هنا؟"، فيجيبه الشاب من داخل الباص "لقد قصفتمونا بالطائرات والدبابات والكيماوي، ماذا تنتظرون منا أن نفعل؟"، لتختصر هذه الجملة حالة الانقطاع الكامل بين تجربتين متناقضتين، الأولى لمجتمع عاش الحصار والبراميل والغازات السامة، والثانية لبيئة ظلت متمسكة برواية السلطة عن "محاربة الإرهاب".
ويضم الفيديو لقطات أرشيفية من أيام التهجير تظهر الباصات الخضراء وهي تصطف في شوارع دمشق ومحيطها، وعناصر مسلّحة تشرف على الصعود، وحشوداً من الموالين يتجمعون على الأرصفة والجسور لمراقبة الحافلات، بعضهم يصرخ ويشتم وبعضهم يلتقط صوراً ومقاطع مصوّرة، في مشاهد تحضر اليوم كشاهد بصري على واحدة من أكثر حلقات الحرب السورية قسوة، حيث خرج آلاف المقاتلين والمدنيين من أحيائهم وهم يحملون شعور الهزيمة والإذلال، لكنهم في شهاداتهم يحاولون تثبيت رواية مختلفة، تتحدث عن ثورة بدأت من أحياء دمشق نفسها، وعن ثمن دفعته مناطق مثل ركن الدين والغوطة الشرقية قبل أن تُدفع إلى خيار الباصات الخضراء تحت القصف والتهديد.
