العيد مع ذوي العطاءات الخاصة

بسمة الخطيبالخميس 2025/12/04
Image-1764805104
في "جمعية إبراهيم عميس" لذوي الاحتياجات الخاصة
حجم الخط
مشاركة عبر

هل كانت مصادفة أم قدراً تلك الخطوات التي قادتني إلى لقاء إبراهيم، الفتى الذي يقف، من دون أن يعلم، خلف آمال مئات من أصحاب ذوي الاحتياجات الخاصّة وعائلاتهم؟ كنّا على بُعد أيام قليلة من الثالث من كانون الأول/ديسمبر، اليوم العالمي لحقوق ذوي الهمم، وهي مناسبة تأتي لتنشّط الذاكرة العالميّة والجمعيّة حول واقع هؤلاء لئلا يبتلعهم النسيان تماماً، وكانت الطريق إلى الزرارية في جنوب لبنان قلقة، لكن جميلة، متّشحة بألوان خريف متأخّر ومُجهَد، يشبه حال من يركض في مكانه ولا يصل إلى مقصده. 

 

بعد وصولي للقاء السيدة لمياء زبيب عميس، التي أسّست بجهد شخصيّ وتمويل ذاتي جمعيّة إنسانيّة عالمية المواصفات، وبينما أنا في حديث تناول الكتابة والأمومة والاغتراب والعودة منه وصعوبات الاستقرار- وهي الأمور التي تجمعني بالسيّدة لمياء- فإذا بابنها إبراهيم يأتي برفقة إحدى المشرفات في "جمعيّة إبراهيم عميس" التي سمّيت تيمّناً به. سلّم الفتى عليّ كما قيل له، هزّ برأسه حين أخبروه اسمي وأنّني كاتبة. أسرتني ابتسامته، دائمة لكنها غير جامدة، بل هي تتلوّن وتتّسع وتنكمش بين ثانية وأخرى، وكأنّه بها يعبّر عن مشاعره والكلمات التي لا يستطيع النطق بها. عاد إبراهيم إلى أنشطته مع رفاقه في الصفوف المخصّصة لهم، بينما صفوف أخرى كانت تتابع جداولها المتخصصّة في حالاتهم واحتياجاتهم. فبعضهم يتعاون لصناعة شمعة على شكل كوز صنوبر أو عجن الطحين وخبز البسكوت أو تعلّم كيفية تحضير فطورهم. يقوم آخرون بحصّة نشاط موسيقيّ، ويقوم صفّ المصابين بالشلل الدماغي بحصّة سباحة في المسبح الداخلي دافئ المياه. 

 

لاحقاً سأتأكّد من أنّ ابتسامة إبراهيم ليست استثناء، فغالبية ذوي الهمم من رفاقه لهم الابتسامة نفسها، ومعظمهم يهتف بفرح مرحّباً بالسيدة لمياء حين يراها أو فقط يسمع صوتها. والدة ابراهيم واحدة من الأمّهات التي كافحت لأجل ابنها وكثيرين غيره، عبر تأسيسها جمعيّة خيريّة لذوي الاحتياجات الخاصّة تفتقر لها منطقتها في فترة حرجة اقتصاديّاً وهي 2018، أي على شفا الانهيار الماليّ والمصرفيّ ووباء كورونا. وقد وفت على مدى سبع سنوات بالتزامها رعاية الشؤون الصحّيّة والنفسيّة لمرتادي الجمعيّة وتأمين احتياجاتهم التعليميّة، كما تنصّ أهداف الجمعيّة، التي إضافة إلى التمويل الذاتيّ تحاول أن تسدّ الثغرات الماليّة عبر تسويق منتجات يقوم بها أعضاء الجمعيّة من ذوي الهمم ومعلّميهم ومدرّبيهم، مثل تحضير أطباق لبنانيّة وصناعة الحليّ والمخبوزات والمنتوجات الزراعيّة وصناعات أخرى معتمدة على التدوير مثل الشموع والحقائب والملابس... 

 

لكن حين يأتي الأمر لهدف العمل على تأمين فرص عمل لذوي الهمم ودمجهم في المجتمع، لا يتبيّن أنّه هدف صعب فقط، بل هو الأصعب. رافضةً اليأس، تتابع السيدة لمياء التركيز على تحقيق أي خرق للحواجز الكثيرة في الطريق. فأحد طلّاب الجمعيّة السابقين فقدَ وظيفته في أحد المطاعم بعد فترة وجيزة من تسلّمها، رغم تأهيله المهنيّ، وكانت النتيجة دخوله في حالة اكتئاب وتراجع صحّي. هذا مثل بسيط، لكن معبّر بقوّة على واقع عمليّة الدمج الاجتماعيّ والتأهيل الوظيفيّ والمهنيّ لذوي الهمم في لبنان.

 

صحيح أنّ قانون العمل اللبنانيّ يفرض على المؤسّسات اللبنانيّة وجهات العمل أن يكون 3% من موظّفيها من ذوي الاحتياجات الخاصّة، لكنّنا نعرف أنّ هذا القانون نادراً ما يُطبّق. على صعيد شخصيّ، وفي تعاملاتي اليوميّة لا أعرف سوى مؤسّسة واحدة تنفّذ هذا القانون. والحقّ أني أواظب على التعامل معها لهذا السبب، وكلّ مرّة ألتقي بموظّفيها من ذوي الهمم أزداد إعجاباً بإدارتها وأشعر بالرضا عن تبضّعي هناك. مؤسّسة واحدة تصير مثار دهشةٍ وفضول بدلاً من أن تكون نموذجاً يُحتذى. ما تفعله تلك المؤسّسة هو تنفيذ بند في القانون لا يعود لها بربح مادّي، لكنّه بالتأكيد يجلب لها الاحترام والامتنان، ومع ذلك لا نجد مؤسّسات أخرى تقلّدها أو تحذو حذوها. 

 

في طريق العودة إلى بيتي، وبينما تتراجع خلف نظري المنازل المتناثرة في البلدات الصغيرة والأخرى المحتشدة في المدن التي مررت بها، شغلتني أسئلة عن عدد سكّانها من ذوي الاحتياجات الخاصّة، هل يوجد واحد منهم بين كلّ مئة وحدة سكنيّة؟ أم أكثر؟ كم عدد الذين لا يستطيعون ارتياد مدارس تناسبهم؟ والذين يُسجنون بين جدران الاكتئاب واليأس وتتدهور حالتهم الصحّية كلّ يوم؟ والذين يرفض المجتمع اندماجهم لكنّه يحتفل في الثالث من كانون الأوّل بيومهم العالميّ فقط لأنّ العالم يحتفل به! كم ابتسامة كابتسامة إبراهيم تشعّ من هذه النوافذ؟ تركتُ الأسئلة معلّقة وأنا أشعر بأنّ مناسبة يومهم العالميّ ومع تحدّي دمجهم في سوق العمل وتأهيلهم المهنيّ، تدعونا للإعتراف بأنّهم إلى جانب احتياجاتهم الخاصّة يملكون أيضاً عطاءات خاصّة، عطاءات نحتاج نحن إليها، فللعناية بهم ومساعدتهم مردود نفسيّ وعاطفيّ كبير، لا يقدّر بثمن مادّي في لغة زمننا. 

 

أضأتُ الشمعة لأنعم وأسرتي بعطر الصنوبر وأنا أتخيل تلك الأيدي التي صنعتها والعيون التي رعتها وابتسمت حين أنجزتها. ووسط أخبار افتتاح موسم الأعياد والتنزيلات ومهرجانات التسوّق، شعرت بأنّ العيد الحقيقي هو ذاك الذي أهدانيه إبراهيم ورفاقه وأسرته.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث