في الأعوام الأخيرة انفجرت ظاهرة القصات الواسعة والبيجامات والسراويل الفضاضة مع عودة موضة التسعينيات إلى الشوارع والتلفزيونات، بشكل كان قبل 10 سنوات فقط يصلح ليكون قصة من قصص الخيال العلمي غير المتوقعة لأن تلك الأزياء بالتحديد كانت منبوذة بوصفها خطاً تجاوزته البشرية ودفنته إلى الأبد، لكن مثل الزومبي زحفت تلك الأزياء من قبورها من القبعات الواسعة إلى الملابس المخططة، لكن ما يبدو حنيناً للماضي البسيط هو في الحقيقة مرآة لشيء أعمق وتعبير عن حالة تعب اجتماعي عالمي وسط الاضطراب السياسي والاقتصادي الراهن.
ومن مسلسلات "نتفليكس" الضاربة مثل كوميديا "That 90s Show" أو دراما "Boots" الذي يتناول قصة مجندين مثليين في البحرية الأميركية خلال التسعينيات، إلى مواقع التواصل الاجتماعي وشوارع المدن الكبرى وعروض الأزياء العالمية، باتت التسعينيات حية من جديد، ليس فقط في الأزياء بل في التصميم الداخلي والديكور وجوانب مختلفة من الحياة، فيما يتم الحديث باستمرار عن الراحة التي توفرها تلك الحقبة بوصفها "ضرورة نفسية".
لكن الموضة في الواقع ليست منفصلة عن السياق الاجتماعي والاقتصادي مهما كانت بعض النخب تنظر لها باستهزاء وتعالٍ. وتحكي قصة الموضة اليوم قصة إرهاق ولايقين وقلق اقتصادي وحِمل عاطفي زائد، بشكل يتفاقم بتأثير مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت الذي تحول إلى آلة لضخ السموم والكراهية، خصوصاً بعد سيطرة رجل الأعمال اليميني المتطرف أيلون ماسك على منصة "تويتر" وتحويلها إلى "إكس" قبل سنوات.
وعودة البيجاما والسراويل الرياضية والقصات الواسعة والاحتشام المبالغ فيه، لدى الرجال والنساء على حد سواء، تظهر توقاً جماعياً إلى الأمان. ولاحظ علماء النفس منذ زمن طويل أنه في فترات الضغط الطويل، يبحث الناس غريزياً عن ملابس تتطلب جهداً ضئيلاً وتمنح أقصى قدر من الارتياح الحسي. وأزياء التسعينيات في هذا الإطار بحجمها الكبير تقلل الاحتكاك جسدياً وعاطفياً، ولا تتطلب مفاوضات مع الجسد وشكله، ولا مراقبة للذات، ولا ضغطاً من المحيط، ولا أداء اجتماعياً، بل انكفاء نحو الذات الخائفة من محيطها الانفعالي.
وترى عالمة الموضة والتاريخ الأميركية فاليري ستيل في كتاباتها عموماً أن الموضة لا تعبر عن الذوق فقط، بل تعكس المناخ العاطفي لعصرها، وهو ما يفسر كيف تتحول الملابس إلى مؤشر نفسي جماعي، يلتقط توتر المجتمع قبل أن تلتقطه السياسة نفسها. فاللباس في النهاية نظام دلالات، كما يقول السيميائي الفرنسي رولان بارت، يتجاوز القماش إلى المعنى والهوية، ما يجعل رواج القصات الواسعة اليوم بمثابة قراءة نفسية لحالة عالم يبحث عن الأمان.
وبحسب الرئيس السابق لدار الأزياء الأشهر "شانيل" وأيقونة الموضة العالمية كارل لاغرفيلد: "السراويل الرياضية علامة على الهزيمة. لقد فقدت السيطرة على حياتك، ولذلك تخرج مرتدياً سروالاً رياضياً"، فيما يقول الفيلسوف الفرنسي أندريه مالرو في كتابه "الشرط الإنساني" العام 1933: "لدى المضطهدين في أيامنا هذه ميل إلى الملابس الواسعة والرخوة كالبيجاما التي تُكسبهم هذا المظهر القريب دائماً من الفراش".
ويعني ذلك أن الملابس الفضفاضة بدلاً من الملابس التي تحدد شكل الجسم أو تكشف عنه بوصفه جميلاً مهما كان شكله، تجسد إرهاق العيش تحت الضغط، السياسي أو الوجودي، خصوصاً بالنسبة للنساء والمثليين وحتى للأفراد الذين لا يمتثلون بنسبة 100% لما هو محدد ومقبول اجتماعياً في محيطهم. وبالتالي لا تصبح ملابس التسعينيات اليوم دليلاً على الكسل، بل دليلاً على محاولة النجاة وتجنب الصراعات غير الضرورية، في عالم بات فيه المتطرفون سياسياً، من اليمين تحديداً، أكثر هجومية، خصوصاً عبر الإنترنت.
وترتبط هذه الاختيارات بعوامل نفسية مثل الاحتراق النفسي ضمن بيئات العمل السامة تحديداً، والإرهاق الاكتئابي، والانسحاب الاجتماعي، وإنهاك اتخاذ القرار، والرغبة في الاختفاء عن أنظار الآخرين. وبالتالي تتحول فكرة الراحة إلى قشرة واقية، وتصبح الملابس موجهة للداخل لا للخارج، بعكس الرغبة في التحدي التي تعبر عنها أزياء أكثر حدة، حتى لدى أيقونات الموضة العالمية، مثل السترات الجلدية القصيرة التي كانت نجمة البوب العالمية مادونا ترتديها في الثمانينيات أو الأزياء الأكثر كشفاً للجسد مثل أزياء كريستينا أغيليرا في مطلع الألفية.
ويمكن ملاحظ نمط تاريخي للارتباط بين الملابس الفضفاضة والأزمات الاجتماعية/السياسية حول العالم، تحديداً في الدول الغربية التي تتوافر فيها مفاهيم الحرية الفردية غير الموجودة في دول أخرى مثل بلدان الشرق الأوسط حيث تتحكم السلطات بخيارات الأفراد لتطويعهم، بما في ذلك الأزياء نفسها. ويقول خبراء أن الموضة الفضفاضة، مثل تلك الرائجة في التسعينيات، ليست جديدة بل تعود بشكل دوري، وبطريقة شبه متوقعة، خلال لحظات عدم الاستقرار الجماعي.
في فترة الكساد الكبير مطلع ثلاثينيات القرن الماضي مثلاً، حلت الفساتين البسيطة الواسعة مكان الموضة الباذخة في عشرينيات القرن الماضي، وسط عالم منهار خفف قصاته بدافع الضرورة، والانهيار النفسي. وانتهى ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، عندما باتت الموضة أكثر تفصيلاً وضيقاً. وفي السبعينيات مع حرب فيتنام والمشاكل السياسية في الولايات المتحدة تحديداً، كانت سراويل شارلستون والقمصان الفضفاضة، والملابس عديمة البنية، تُعبر عن جيل يرفض السلطة وينكفئ نحو عالمه الداخلي.
وفي التسعينيات بعد نهاية الحرب الباردة وظهور عدم يقين اقتصادي مع بدايات العولمة، ظهرت أزياء الجينز الواسعة والكنزات كبيرة، بشكل عكس فقدان الثقة بالاستهلاك، مع رغبة في استهلاك كل ما هو قديم وعتيق وأعادة تدويره، وهو ما يتم تكراره حرفياً اليوم في عشرينيات القرن الحالي، بعد جائحة كوفيد وعدم الاستقرار الاقتصادي والحروب حول العالم والقلق البيئي والإرهاق الرقمي وصعود اليمين المتطرف وتزايد الاستقطاب.
وإذا كانت تلك التحولات تبدو دورية ومنطقية تاريخياً، فإن ما يميز اللحظة الراهنة هو تداخل الأزمات وتزامنها، ما يجعل رد الفعل الثقافي والجمالي أكثر حدة وتطرفاً. ومع تعدد مصادر التوتر، باتت ملابس المنزل سائدة في كل مكان، تى في وسائل الإعلام الأكثر جدية، ولم تعد السراويل الرياضية غير مقبولة في الأماكن العامة، وبات الحد الفاصل بين البيجاما بوصفها ثياباً للنوم، والموضة الرائجة، يذوب تدريجياً.
وتحمل القصات الواسعة أيضاً بعداً سياسياً غير مباشر، إذ تتراجع فكرة "عرض الجسد" لمصلحة إخفائه، في مواجهة ثقافة بصرية خانقة تطالب الفرد بأن يكون مثالياً في كل لحظة. فالاتجاه نحو الحشمة الواسعة يعكس نفوراً من الرقابة البصرية الدائمة ليس فقط بسبب السطوة البصرية في مواقع مثل "أنستغرام" أو رفض اختزال الأفراد بشكل أجسادهم أو محاولة الاندماج الاجتماعي عبر محاولة نيل رضا نظرات الآخرين، بل بسبب الخوف من هجمات المتطرفين على كل ما هو مختلف عنهم في وقت تتزايد فيه الخطابات الرجعية حول الأدوار الجندرية وطبيعة الجنسين وغيرها من المفاهيم التي عفا عنها الزمن.
ولا يرتبط الأمر فقط بالدول الغربية، بل تحضر تلك العلاقة في أي مجتمع ربما. ففي التسعينيات عندما كان قمع النظام السوري لشعبه كبيراً، كانت الحياة عبر البيجاما رائجة في المسلسلات الدرامية التي تناولت المواطن السوري المسحوق، مسلسلات كاملة أمضت معظم شخصياتها حلقاتها في البيجاما من "عيلة خمس نجوم" إلى "أحلام أبو الهنا"، لأن تلك الملابس كانت تعبيراً عن القهر والانسحاق ضمن بيئة دكتاتورية لا ترحم، مع العلم أن سوريا الأسد كانت واحدة من أكثر الدول انغلاقاً على نفسها، ثقافياً واجتماعياً طوال عقود.
وتاريخياً، كلما اختل العالم، ارتخت الموضة، وعليه فإن تفكك بنية الملابس يعكس تفكك بنية الحياة نفسها حول الأفراد. وعجلت الجائحة باتجاه كان يتطور أصلاً: تلاشي الفاصل بين الحياة الخاصة والعامة. وباتت ملابس المنزل ملابس نهارية لملايين الأفراد لأن العمل عن بعد جعل من تلك الأزياء جزءاً من الراحة اليومية، وانتشرت شركات تعمل عبر الإنترنت وتروج عبر مؤثرين في "انستغرام" و"تيك توك" و"يوتيوب" للملابس المريحة خارج المنزل. وبعد العودة التدريجية إلى المكاتب، رفض كثيرون العودة للملابس الصارمة.
وتدريجياً انتهى الفصل بين الذات الخارجية والذات الخاصة بالمنزل، فتقليدياً كان الناس يميزون بوضوح بين ما يجب لبسه في المنزل وبين ما يجب ارتداؤه عند الخروج منه كي يكون لائقاً. لكن الجائحة أثبتت مدى عبثية تلك الفكرة أصلاً، ويمكن استذكار ملايين اجتماعات "زووم" التي حضر أفرادها بسروايل رياضية مثلاً.
وإن كانت تلك النقطة إيجابية إلا أن ارتباط الموضة بالاضطراب السياسي والاجتماعي، يظهر جانباً آخر، حيث لم يعد العالم الخارجي مرحباً ومتسامحاً بدرجة كافية وسط "حروب ثقافية" يقودها اليمين المتطرف. وفي كثير من البلدان، خصوصاً الغربية، تعكس ملابس التسعينيات الفضفاضة أفراداً قلقين ومرهقين ولا يشعرون بالأمان، ما يجعلتهم يفضلون البقاء في الظلال على البروز بتجنب الملابس الضيقة والكاشفة وحتى الملونة لأن أزياء التسعينيات مشهورة بكونها شديدة الكآبة من ناحية اختيار ألوان داكنة وباهتة.
وطبعاً، فإن هوس الموضة بالتسعينيات لا تحركه الجماليات فقط، بل الحنين إلى عالم ما قبل الأزمات الرقمية والاجتماعية. وترمز التسعينيات إلى ملجأ عاطفي لأن ذلك العقد بالنسبة للجيل "زد" تحديداً، يرمز إلى البراءة ما قبل الإنترنت وإلى الضغوط الاجتماعية الأقل. ويعني ذلك أن الناس لا يرتدون ملابس التسعينيات فقط، بل يتمنون الحياة ضمن أجواء التسعينيات أيضاً. الناس يرتدون ما يشعرون به وما يشعرون به اليوم هو التعب والملل.
