في قاعة "هاوس أم دوم" وسط فرانكفورت، انعقد "منتدى النساء 2025"، الذي نظمته جمعية "سيرمانيا" كمساحة مدنية مفتوحة جمعت سوريات فاعلات في المجتمع الألماني وباحثات وناشطات ومتخصصات في مجالات القانون والدعم النفسي والعمل الأكاديمي، في محاولة لبناء خطاب مشترك يتجاوز الثنائية التقليدية بين النساء اللاجئات ونساء المجتمع المضيف، ويطرح تصوراً جديداً لدور النساء السوريات في ألمانيا كفاعلات في مسار الاندماج وشريكات في إعادة صياغة المشهد المدني داخل سوريا بعد سقوط النظام.
روابط مع النساء في سوريا
وقالت المحامية نهلة عثمان، وهي إحدى المتطوعات الفاعلات في الجمعية وعضو التجمع الألماني السوري، إن أهمية هذا النوع من اللقاءات لا تقتصر على دعم النساء هنا في ألمانيا بل تهدف إلى خلق روابط مباشرة مع النساء داخل سوريا، من خلال أنشطة تشاركية وورشات تجمع النساء حسب خبراتهن، وتوفر لهن مساحات لتبادل المعرفة والعمل الجماعي.
وأضافت: "نرغب بمساعدة النساء في سوريا، مثلاً السيدات اللواتي فقدن أزواجهن كي يتعلمن مهنة، أو السيدات اللواتي لديهن مهارات ومهن ولكن لا يعرفن كيف يسوقن أو يبعن منتجاتهن للخارج، وبالتالي سنساعدهن في ذلك".
شراكات
من جهتها أوضحت نادين الأديب وهي متطوعة في المنظمة أن "الهدف الرئيس للمنظمة هو ربط النساء بين الداخل والخارج"، مضيفة: "نطمح في المستقبل أن ننقل نموذج ورشات العمل التي ننفذها هنا في ألمانيا إلى داخل سوريا، ونقوّي الشراكات مع منظمات ألمانية قادرة على دعم النساء السوريات اللواتي مررن بظروف حرب بهدف نقل هذا الدعم إلى الداخل السوري".
بنية مدنية عابرة للحدود
ويندرج المنتدى ضمن مسار أوسع ترسمه "سيرمانيا"، وهي جمعية مسجلة في مدينة بريمن، تأسست لتكون منصة مهنية ومدنية للسوريات والسوريين في ألمانيا وتقوم على مبدأ مزدوج يجمع بين تمكين الكفاءات السورية المقيمة وربطها بمشاريع التحول الديمقراطي وإعادة البناء في سوريا، وتحمل الجمعية اسماً هجينياً يدمج بين "Syrien" و"Almania" وتقدم نفسها كبنية مدنية عابرة للحدود تعمل على تعزيز التواصل بين النساء وتحقيق الاندماج المهني وبناء قواعد بيانات للخبرات السورية مع التركيز على النساء والضحايا المدنيين وذوي الخلفيات المهاجرة.
وتعمل المنظمة على تمكين النساء ودعم الأطفال وتعزيز الحوار بين المجتمعات وتشجيع المشاركة المدنية، بما يشمل برامج تدريبية وورش عمل وومنتديات تهدف إلى تبادل الخبرات بين الكفاءات السورية في ألمانيا والخبرات المحلية داخل سوريا، كما تطمح إلى أن تصبح قناة موثوقة تربط الطاقات السورية بمنظمات ألمانية ودولية قادرة على تقديم دعم فعلي للمجتمع المدني السوري الذي يواجه تحديات ما بعد الحرب.
الإندماج والهجرة
ويتقاطع هذا التوجه مع توصيات المجلس الاستشاري الألماني للاندماج والهجرة (SVR)، الذي أشار في آخر تقاريره إلى أن منظمات الجالية السورية، ومنها "سيرمانيا" باتت تلعب دوراً متقدماً في دعم الاندماج المحلي والمساهمة في التحول الديمقراطي فضلاً عن تقديم رؤية مدنية لمستقبل سوريا بعد سقوط النظام.
وساهمت الباحثة كارولين بوب من المجلس الاستشاري الألماني للاندماج والهجرة في المنتدى الأخير إلى جانب شخصيات مثل البرلمانية والباحثة ذات الجذور السورية لمياء قدور وسوريانا إسكندر والمحامية والحقوقية وروسانا غاتا في جلسات ناقشت واقع النساء في ألمانيا والعوائق البنيوية في سوق العمل والنظام التعليمي وضغط الأدوار المنزلية إلى جانب التحديات النفسية الناتجة عن الهجرة والتمييز.
العودة القسرية
ولم يتوقف النقاش عند حدود ألمانيا بل تطرق بوضوح إلى خطابات العودة القسرية التي تروج لها بعض الأصوات السياسية الألمانية، والتي تقابل برفض واسع بين السوريات والسوريين الذين يرون في تلك الدعوات تبسيطاً خطيراً للواقع السوري وتجاهلاً لما تواجهه النساء خاصة من تحديات أمنية ومجتمعية.
وقد أجمعت المتحدثات على أن هذا الخطاب يضاعف شعور النساء السوريات في ألمانيا باللا يقين، ويهدد الاستقرار الذي بنينه بشقّ الأنفس ويلقي بظلاله على كل محاولة لإعادة بناء الحياة هنا أو هناك.
وبهذا المعنى تبدو "سيريانا" كمشروع سياسي مدني متكامل يتحرك في ثلاث دوائر متشابكة من تمكين النساء داخل ألمانيا إلى دعم النساء في الداخل السوري وصياغة هوية سورية ألمانية هجينة تتقاطع مع سياق الاندماج ومع سؤال العدالة والمشاركة وإعادة الإعمار.
وتسعى الجمعية لأن تتحول إلى مرجع فاعل في الحقلين وأن تؤسس لشكل جديد من أشكال التضامن النسوي العابر للحدود والمبني على نقل المهارات، وتقوية الروابط وبناء الثقة بين النساء أينما كنّ.
