في حلقة جديدة من بودكاست "دفين" التي بثها "تلفزيون سوريا"، استضاف البرنامج الداعية السوري عبد الرحمن كوكي حيث تحدث عن مسار علاقته مع النظام السابق وأسباب اعتقاله إضافة إلى روايات عن البقاء في دمشق خلال سنوات القمع والحصار.
وروى كوكي أنّ اعتقاله الأبرز في العام 2009 انطلق من سؤال واحد وجهه إليه محقق في فرع الأمن السياسي بعد ظهوره في برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة "الجزيرة"، حين سأله بصورة مباشرة "لماذا لم تدافع عنها؟" في إشارة إلى أسماء الأسد، موضحاً أن الأجهزة الأمنية اعتبرت امتناع شيخ عن التشبيح لزوجة الرئيس خطأً يستوجب العقاب، ثم رتّبت له لائحة طويلة من التهم الجاهزة ثم أصدر بحقه حكم بالسجن لعام واحد في سجن عدرا المركزي.
ثلاثة أنواع من المشايخ
وأعاد كوكي رسم مشهد المشايخ في زمن النظام والثورة فقسّمهم إلى ثلاثة أنواع، وضع في النوع الأول مشايخ النظام الذين دافعوا عن السلطة بشكل مبالغ إلى حد دفع بعض مسؤولي القصر إلى السخرية من نفاقهم، أما النوع الثاني فكان المشايخ الصامتين الذين تجنبوا اتخاذ موقف واضح خوفاً من المنظومة الأمنية ووضعهم في دائرة المساءلة الأخلاقية والتاريخية، فيما حصر النوع الثالث بـ"مشايخ الثورة" الذين وقعوا بيانَي آب 2011 وشباط 2012 مطالبين بوقف الحل الأمني، موضحاً أنه قرأ البيان من على منبر جامع زيد في دمشق، وأن السلطات ردت بمنعه من الخطابة والتدريس ثم ملاحقته واعتقاله في فرع المخابرات الجوية.
واستعاد كوكي ظروف توقيفه في فرع المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري ووصف مشاهد قاسية رأى فيها معتقلاً يضرب على رأسه أمام باب الزنزانة حتى فارق الحياة، بينما كان يسمع صرخات التعذيب ليل نهار، وأشار إلى أن أحد المحققين أبلغه في نهاية جلسة تحقيق مطولة بأنه ذاهب إلى صيدنايا، وهو ما اعتبره تهديداً صريحاً بالموت البطيء، قبل أن تؤدي وساطات تجار ووجهاء دفعوا مبالغ مالية كبيرة إلى الإفراج عنه، في ما وصفه بأنّه جزء من ضريبة البقاء التي دفعها مشايخ الداخل الرافضين لمبايعة النظام.
حيل النجاة من الاعتقال
وخصص الداعية جزءاً من شهادته لما سماه حيل النجاة من الاعتقال، فكشف عن دور ضباط وأفراد أمن وصفهم بـ"مؤمن آل فرعون" أبلغوه سراً بإدراج اسمه على الحواجز ونصحوه بتغيير مساراته أو الاختفاء المؤقت معتبراً أن الفساد الذي كرسه النظام في مؤسساته الأمنية استخدم في حالات عديدة كطريق للهرب من السجن أو تقصير مدة الاحتجاز أو تخفيف وطأة التعذيب.
ودافع كوكي عن خيار بقاء جزء من المشايخ في دمشق خلال سنوات النظام السابقة وقال أن وجود العلماء المعارضين داخل مناطق سيطرة الأسد ترافق مع أدوار دينية واجتماعية وإغاثية بدءاً من استقبال النازحين من درعا وحمص وأرياف دمشق في البيوت والمساجد، وصولاً إلى استغلال ثغرات الفساد على الحواجز لتمرير الطحين والمواد الغذائية والحقن والأدوية إلى الغوطة قبل الحصار الكامل، عبر ما وصفه بـ"شراء الحاجز" لساعات محددة واستخدام المنظومة ذاتها التي قمعت الناس لفتح ممرات ضيقة باتجاههم.
وعند الحديث عن معركة "ردع العدوان" وسقوط النظام، ركز كوكي على صورة الشارع أكثر من تفاصيل العمليات العسكرية، فاستعاد مشاهد الحشود التي خرجت في دمشق وغيرها لاستقبال الفصائل والاحتفال بسقوط الأسد، معتبراً حجم هذه الحشود عكس المزاج الحقيقي في مناطق كانت تقدم طوال سنوات بصفة بيئة موالية، وأشار إلى أن وجود مشايخ معارضين في الداخل ساهم في حفظ هذا المزاج وعدم تسليمه بالكامل لآلة التخويف والإعلام الرسمي.
قيم الحرية والكرامة
وقدّم كوكي تصوراً عاماً عن موقع المشايخ بعد سقوط النظام، فربط بين قيام دولة قانون ومؤسسات وبين ضرورة أن يتحول العلماء إلى جزء من منظومة العدالة لا إلى غطاء ديني لسلطة جديدة، واعتبر أن مهمة الخطاب الديني في المرحلة الانتقالية تتمثل في حماية قيم الحرية والكرامة ومنع إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال مختلفة، مشيراً إلى أن مراجعة مواقف الماضي شرطاً لازماً لتجديد الثقة، وأن على المشايخ الذين دعموا آلة القمع أو صمتوا عن جرائمها أن يقروا بدورهم أمام الناس، في مقابل الاعتراف بالثمن الذي دفعه مشايخ آخرون في السجون وخارجها.
