بلباسٍ محتشم وغطاءٍ للرأس.. استقبلت كثيرٌ من النساء البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته الرسمية إلى لبنان، في مشهد لافت، تضاربت الأنباء بين اعتباره "بروتوكولياً"، أو "تقديراً واحتراماً" للحبر الأعظم الذي نفذ زيارة أعادت لبنان إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا لوفرة موارده بل لعمق جراحه، ولإيمانه الذي لم ينطفئ رغم الخيبات المتلاحقة.
المشهد البروتوكولي تأرجح بين الالتزام والتفاوت. الرجال ظهروا ببذلات رسمية قاتمة، بينما ارتدت غالبية النساء الأسود مع غطاء للرأس، انسجاماً مع الأعراف الكنَسية المعتمدة أثناء استقبال الحبر الأعظم. وتصدرت المشهد، النائبة ستريدا جعجع التي حضرت في زي أسود مع غطاء للرأس، كذلك وضعت ابنتا الرئيس نبيه بري وزوجة ابنه غطاءً للرأس، خلال التقاط الصورة مع البابا.
ويشرح المونسنيور شربل أنطون لـ"المدن" أن هذا التقليد "يعكس احترام المقام الروحي، إذ يفترض أن ترتدي السيدات لباسًا أسود مع وشاح يغطي الرأس". ويضيف أن المَلكات الكاثوليكيات فقط، مثل ملكة إسبانيا، يُمنحن امتيازاً تاريخياً يسمح لهن بالظهور باللون الأبيض أمام البابا.
السيدة الأولى وخرق البروتوكول
ولم يخلُ المشهد من حالات لافتة في الالتزام؛ إذ حرصت النائب ستريدا جعجع على وضع غطاء الرأس وفق البروتوكول، وهو ما التزمت به أيضاً ابنتا رئيس مجلس النواب نبيه بري وكنّته.
في المقابل، يشير أنطون إلى أنّ "هناك سيدات لم يضعن الغطاء، ومن بينهن السيدة الأولى، باعتبارها تستقبل البابا في القصر الجمهوري"، في تأكيد على أنها لم تخالف للبروتوكول، بالنظر إلى أنها تستقبل البابا في مقر إقامتها، مما يجعل ارتداء وضع غطاء الرأس اختيارياً، بينما تضطر لوضعه حين تقوم هي بزيارته، وهو ما حصل حين زارت البابا في الفاتيكان، إذ ظهرت بغطاء رأس أسود حين التقته، التزاماً بالبروتوكول المعتمد.
كما سُجّل احترام مماثل من جانب سيدات مُسلمات اخترن الامتناع عن المصافحة، مكتفيات بوضع اليد على الصدر أو بإيماءة احترام، وهو ما قابله البابا بالمثل تقديراً لعاداتهن ومعتقداتهن.
راهبات بتغطية كاملة للرأس
وفي المقابل، خطفت الراهبات الأنظار بلباسهن الذي بدا الأكثر تطابقاً مع مفهوم الاحتشام الديني؛ فقد ظهرن بجلباب واسع يغطي كامل الجسد، مع حجاب أبيض أو أسود يلفّ الرأس والرقبة، في انعكاس لرمزية الانتماء الكنسي وتكريس الحياة الروحية. هذا الحضور شكّل امتداداً لما أشارت إليه شهادات دينية حول "التقاطع الرمزي بين غطاء الرأس لدى الراهبات والمحجبات"، حيث يعكس كلاهما مفهوم الحشمة والخضوع أمام رمز إلهي.
واللافت، بحسب أنطون، هو هذا التقاطع الرمزي بين غطاء الرأس لدى الراهبات والمحجبات من طوائف أخرى، إذ "يعكس كلاهما مفهوم الحشمة والتقديس أمام رمز ديني". لكن المفارقة بقيت في مكان آخر: حين يُطلب من عامة الناس احترام بروتوكول ديني صارم، تسمح الدولة لمسؤوليها بتجاوزه تحت مظلة "التمثيل الرسمي".
البُعد الروحي
الزيارة جاءت لتُذكّر بأن للبنان بعداً روحانياً ما زالت الكنيسة والفاتيكان يراهنان عليه، رغم أن الكرسي الرسولي لم يعد يفرض لباساً معيناً، لكنه يقترح بروتوكولاً لزيارات الدولة التي يجريها المسؤولون الكبار، ولزيارات رجال الدين والصحافيين والمؤمنين الذين يستقبلهم الحبر الأعظم في مقابلات خاصة أو أثناء زيارة الوفود الرسمية.
ويُشار إلى أن التقليد الذي يوصي بارتداء ملابس داكنة اللون في حضرة البابا، يهدف إلى تكريم الموقع الذي يمثله، فضلاً عن الشخص الذي يشغل هذا الموقع. لكن هذا التقليد لم يعد مطلقًا؛ بدليل أن البابوات استقبلوا خلال السنوات الأخيرة رئيسات دول أو زوجات رؤساء لم يرتدين الأسود، رغم التزامهن ببروتوكول غطاء الرأس. على سبيل المثال، استقبل البابا يوحنا بولس الثاني ماري روبنسون، الرئيسة السابقة لجمهورية إيرلندا، وكانت ترتدي اللون الأخضر. كما استقبل البابا بنديكتوس السادس عشر الرئيسة الإيرلندية السابقة ماري ماكليز وكانت مكشوفة الرأس.
كذلك، شاركت رايسا غورباتشوف، زوجة رئيس الاتحاد السوفياتي السابق، بملابس ملوّنة في جميع مقابلاتها مع البابا يوحنا بولس الثاني، أما زوجة رئيس الكاميرون فكثيراً ما خرقت البروتوكول، لكنها حظيت دائماً مع زوجها باستقبال حار من البابا.
ففي بلد يعاني أزمة قيَم قبل أن يكون في أزمة حكم، يبدو أن اللباس كان الأكثر امتثالاً للنظام… بينما النظام نفسه ما زال بعيداً عن قواعد الاحتشام.
