أثارت صورة انتشرت لأحد المشاركين وهو يرفع "صندوق البويا" في إحدى المسيرات التي خرجت في سوريا احتفالاً بالذكرى الأولى لمعركة "ردع العدوان"، موجة انتقادات واسعة، لأن كثيرين رأوا فيها استخداماً متعمداً لرمز مهين للكرد، في لحظة يفترض أنها احتفاء بسقوط نظام الأسد وسياساته التمييزية وليس استحضاراً لأدواته القديمة في الإذلال والفرز بين السوريين.
وقرأ ناشطون أكراد وعرب المشهد بوصفه استهدافاً مباشراً للكرد كقومية، مشيرين إلى أن كلمة "بويا" تحولت منذ سنوات إلى شتيمة شائعة في السجال السوري، وتُستخدم لوصم الكرد وربطهم بمهنة تلميع الأحذية رغم كونها مهنة شريفة ارتبطت تاريخياً بالفئات الأفقر والأكثر تهميشاً، وذكر البعض بأن السخرية من "صندوق الرزق" تعني عملياً السخرية من أفراد دفعهم الفقر والحرمان للعمل في الشارع.
وكتب الصحافي والناشط الكردي المقيم في برلين دارا العبدلله أن من عملوا في تنظيف الأحذية، كانوا غالباً من أكراد "أجانب" ومكتومي القيد من منطقة الجزيرة، شملهم إحصاء العام 1962، وحرموا بموجبه من التعليم والعمل في مؤسسات الدولة والتنقل بين المحافظات، مما جعل مهنة البويا واحدة من الطرق القليلة للحفاظ على الكرامة في ظل انسداد كل أبواب الحياة الرسمية، معتبراً أن التهكم اليوم على هذا الرمز هو شماتة بضحايا سياسة ممنهجة.
وركزت الباحثة والناشطة السياسية ريم تركماني في تعليقها على الوقوف مع المستضعفين وكل من يضطر إلى هذا النوع من الأعمال بسبب الظلم، وضد الظلم والفساد.
ويقف خلف هذه الموجة من الغضب، تاريخ أطول من التنميط، إذ وثقت تقارير صحافية شهادات عن ربط الكرد في المخيال السوري بمهن مثل "بويجي" و"غرسون"، وتداول عبارات من نوع "فلان كويس لولا أنه كردي"، في سياق حرب رمزية نقلت مهن الخدمات الشاقة من خانة العمل الشريف إلى خانة الإهانة عندما تقرن بالهوية الكردية، في بلد حرم فيه عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية زمن نظام الأسد الأب، واضطر كثير منهم للهجرة الداخلية إلى دمشق وحلب والعمل في اقتصاد الظل، من تلميع الأحذية في الساحات إلى الأعمال الهامشية منخفضة الأجر.
ولم يكن هذا الربط حكراً على الخطاب الشعبي، إذ استعيدت في النقاش الحالي عبارات كتبها المعارض السوري عبد الرزاق عيد العام 2016، عندما تحدث عن أن انفصال الكرد لن يحرم سوريا إلا من "جيش من العاطلين عن العمل في المطاعم وصالونات تنظيف الأحذية"، وهي صياغة أثارت يومها غضباً واسعاً، وردّ عليها ناشطون أكراد في القامشلي باعتصام حمل شعار "بويجي وأفتخر"، جلسوا خلاله في الشارع ومعهم صناديق البويا، في محاولة لقلب الإهانة والتذكير بأنّ المشكلة في الخطاب العنصري لا في المهنة نفسها.
