في خطوة لاحقة لإعلان جريدة "الثورة" الحكومية عودتها إلى الطباعة، أصدرت صحيفة "نينار برس" المستقلة العدد الورقي الأول مؤخراً، في مشهد يظهر انتعاشاً للصحافة الورقية بينما تتراجع عموماً على مستوى العالم منذ سنوات.
وبقدر ما تشكل هذه الإعلانات حالة فردية ربما تكون قابلة للتوسع، إلا أن تحديات اللجوء إلى الطباعة كبيرة جداً، بسبب حضور العالم الرقمي في كل تفاصيل حياة السوريين، ومن بينها الإعلام الإلكتروني الذي حظي باهتمام بالغ على مدار السنوات الطويلة الماضية فيما تشكل وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومات، إضافة إلى كلفة الطباعة نفسها والتي تتحرر منها المواقع الإلكترونية.
وحمل إعلان صحيفة "نينار" كأول مطبوعة ورقية أسبوعية ترى النور بعد التحرير، انطباعاً بأن شيئاً جديداً سيقدم على صعيد الصحافة. وأكد الإعلان الذي واكب صدور النسخة الورقية أنها "تحمل نبضاً جديداً للكلمة الحرة"، مضيفاً أن الصحيفة "تصدر الصحيفة من دمشق، وتعنى بشؤون الفكر والسياسة والاقتصاد والثقافة السورية، في محاولة جادة لرصد الواقع كما هو والإضاءة على الحقيقة كما يجب".
وسبق ذلك، إعلان جريدة "الثورة" الحكومية عن اقتراب استئناف نسختها الورقية بعد 5 سنوات من الانقطاع. وصرح رئيس تحرير الصحيفة نور الدين الإسماعيل في حديث سابق مع "المدن"، أن التجهيز نحو تنفيذ خطة استئناف الطباعة "كان يسير في مسارات عديدة، منها تعزيز كفاءة الكوادر وتدريبهم، صيانة آلات الطباعة وتجهيزها، تأمين اللوجستيات اللازمة للعمل الصحافي، إنشاء موقع جديد بتناسب مع التطور في وسائل الإعلام" مشيراً إلى أن صدور العدد الورقي سيكون يومياً كما في السابق.
وكان الإسماعيل متفائلاً بخطة الصحيفة نحو العودة إلى الطباعة الورقية. مشيراً إلى أنه "يمكن للصحافة الورقية أن تأخذ حيزاً لدى المهتمين وعشاق الورق، الذين يتلمسونه قبل أن يقرؤوه، إضافة إلى مواكبة التطور والحداثة في العدد الورقي وطرح مواضيع تهم الشارع، ما يساعد في عملية الانتشار والتوزيع".
ولم تكن صحيفة "الثورة" الأولى التي تعلن عن نسختها الورقية خلال الفترة الممتدة من سقوط النظام. بل عادت مجلة ا"لموقف الأدبي" المطبوعة الصادرة عن "اتحاد الكتاب العرب" إلى استئناف إصداراتها بعدد مزدوج (648 – 649)، خصص للحديث عن ثقافة البعث وتفكيكها. كما أرفق العدد بكتاب "البعث" (دار النهار للنشر، 1969) للمفكر والأديب السوري الراحل سامي الجندي (1921-1995) الذي ظل ممنوعاً، حتى صدور الطبعة الورقية الأولى للكتاب في سوريا.
ولا يمكن فهم التوجه التقليدي نحو الصحافة الورقية من دون إدراك المسار الذي يقوم عليه هذا الشكل المقبل على الانقراض من الصحافة، والتي يرى داعموها بأنها تقدم تجربة مختلفة كثيراً عن نظيرتها الرقمية، سواء من حيث الجدية أو الرصانة أو تحول الورق إلى وثائق لا يمكن التلاعب بها.
وبقدر ما ترتبط النسخ الورقية في الذاكرة بأجواء مثالية وطقوس مثل الجلوس إلى المدفأة وسط انهمار المطر، إلا أنها تفتقر إلى عامل السرعة الذي يعد أحد أكبر حوامل الصحافة العصرية. أما لدى قسم كبير من المواطنين فهناك ارتباط آخر، عززته المسلسلات التلفزيونية، ويتعلق بكون الصحف وسيلة للقيام بتسليات من قبيل حل الكلمات المتقاطعة.
ورغم ذلك من المتوقع أن يهتم قسم من السوريين بشراء مطبوعات ورقية بين الحين والآخر بهدف ممارسة هذه الطقوس أو ربما لأهداف أكثر جدية. كما من المرجح في المقابل، ألا يلجأ معظمهم إلى المتجر لشراء صحيفة ورقية عندما يريدون معرفة الأخبار والوصول إلى تحليلاتها السريعة. لأن شاشة الهاتف وحضور التلفزيون أسهل وأوفر طبعاً.
وعلق الصحافي محمد العويد في حديث مع "المدن" أنه يمكن فهم وجود ضرورة لإصدار صحافة ورقية، خصوصاً في جزئها المتعلق بالحكومة انطلاقاً من أن السلطة هي جهاز داعم للمؤسسات الثقافية التي تشكل الصحافة المطبوعة أحد أنماطها.
ولاحظ العويد أن التوجه نحو الصحافة الورقية يشكل حالات فردية، مرجحاً أن بقية الصحف الرسمية التي كانت تطبع ورقياً متجهة نحو الإغلاق باستثناء جريدة "الثورة"، ومن هنا يمكن رصد حاجة الحكومة إلى صحافية ورقية متمثلة بـ"الثورة" حصراً. وتتمحور هذه الحاجة حول ما توفره الصحيفة الورقية من بريستيج حكومي ضروري، ولأن الصحيفة الورقية أشبه بوثيقة لا يمكن تحويرها، بخلاف الإعلام الإلكتروني القابل للتعديل والحذف والإزالة.
وأشار العويد إلى أن التحدي الأبرز الذي سيواجه الصحف الورقية هو قدرتها على الانتشار والحصول على تفاعل حقيقي من الجمهور معها، خصوصاً مع انحسار موجة الصحف الورقية السورية والسنوات العديدة التي مرت على إيقاف طباعة الجرائد الرسمية.
