منذ وقت ليس ببعيد، كان صوت فيروز مرتبطًا في ذاكرتي العميقة بمشاعر غير سارّة تمامًا. كنت أتجنّب الاستماع إليه إلا في ألبومات قليلة، لا سيّما الأخيرة منها. تلك المشاعر المختلطة ليست غريبة على كثيرين ممّن كبروا برفقة هذا الصوت، بكل ما حُمِّل من إسقاطاتٍ جعلته أشبه بظلّ فكرة مرهقة، وإرث عاطفي مثقل بالهموم.
بعيدًا من الثورة على جيل الأهل ورموزهم، وأوّلها "لبنان – الرحابنة – فيروز"، كان يساورني إحساس غامض بعدم الارتياح كلّما سمعتُ هذا الصوت الملائكيّ الذي يوقظ وخزًا في الذاكرة. لم أكن أسمع فيروز بأذنيّ، بل بذاكرتي. وصوت فيروز دعوةٌ مفتوحة للذاكرة… وأنا كنتُ في غنى عنها.
يعيدني صوت فيروز إلى الصباحات الباكرة...صباحاتٍ برائحة الندى ولسعة بردٍ تنتزعنا بلا رأفة من رِقّة النعاس. كانت تلك أوّل تجاربي مع الإرادة المسلوبة. درسٌ شاقّ تعلّمته على وقع "نسّم علينا الهوا" و"نطرونا كتير". يذكّرني صوتها بالرحلة إلى المدرسة، عبر طرق وعرةٍ وموحلةٍ في قرىً أنهكها الإهمال والعشوائية. وإزاء كلّ ذلك القبح، كان صوت فيروز يتلألأ بجمالٍ نافرٍ عن كل ما حوله.
يحملني صوت فيروز أيضًا إلى مطبخ أمّي، حيث الراديو القديم المضبوط على أغانيها. تفتتح أمي يوم عملها الطويل بأغنية فيروزية، وكأنها صلاة صباحية أو نشيد للعمال الكادحين. تعود الى البيت بعد ساعات مضنية، لتتجه مباشرة إلى المطبخ. تشغّل الراديو من جديد، وتستعدّ لمناوبة أخرى أطول من الأولى.. كمن ينتقل من تعبٍ إلى تعب، لا يفصل بينهما سوى ذلك الصوت الذي يضفي على يومها شيئاً من الاشراق.
هناك، بين الأواني المبلّلة وروائح الثوم المقلّى والفانيلا الشهية، تتحرّك بثبات لا يشبه الإنهاك الذي يعتري جسدها. في دوامة العمل اللامتناهي، لا تتأفّف أمي أبداً، بل تدندن الأغاني. تفعل ذلك بكثير من الحب والسرور، برضا بدا لي أحياناً غير مبرر وسط هذا الإرهاق. كيف لها أن تكون بهذا السرور وهي تقضي كل تلك الساعات في العمل؟ أدركت لاحقاً أن أمّي تؤمن بالعمل وتستمدّ من تعبها معنى. وهكذا صار صوت فيروز الساوندتراك المرافق لتعب أمي، والإيقاع الخفيّ لصلابتها اليومية.
أفكّر اليوم في هذا الصوت الذي يوشك أن يلفّه الصمت، وبكل ما أُلصق به من صورٍ ورموزٍ وأدوارٍ ومسؤوليات لا يجدر بإنسان حملها. مسكينٌ هذا الصوت الذي سُلِب من صاحبته وأُعطي للناس، ليفهموا عبره علاقاتهم بأمهاتهم وبوطنهم. يا لها من مهمّة شاقة للمرأة التي غنّت "أنا الأم الحزينة" ووصفت حال شعبٍ بأكمله حين قالت: "إذا رجعت بجنّ، وإن تركتك بشقى".
اختار كثر الشقاء على الجنون، فحزموا أمتعتهم وهجروا الوطن. وفي أسفاره، يحمل المغترب اللبناني صوت فيروز كما يحمل صرّة الزعتر والكشك. وإن كان قد شعر سابقًا بالتخمة من أغانيها، كتخمته من أزمات الوطن، فإن الحنين يعيده إليها. فالوطن، في بُعده، جميل. ولبنان الذي ترسمه فيروز لا يمكن تصديقه إلا من بعيد… من نافذة الغربة.
يقول كثيرون إن الغربة صالحَتهم مع فيروز بعد قطيعة طويلة. أمّا أنا، فلم تقرّبني الغربة منها، بل حدث ذلك في ظروف أكثر كارثية.. كأن يشهد المرء تهشيم مدينته فيشعر بحاجةٍ عارمة لعناقها، ولا يجد ما يشبه هذا العناق أكثر من أغنية "لبيروت". أو أن يوشك على خسارة أرضه وأهله وأحبّته، فيحاول التمسّك بهم عبر أغنيةٍ وذكرى.
أمّا "الصُّلحة" الأخيرة، فتمّت بوساطة زياد، ذاك الوسيط الساخر بين وطنٍ متهاوٍ ورمزه الشامخ.
