عرض "تلفزيون سوريا" مساء الخميس، الفيلم الوثائقي "ساعة الصفر"، في الذكرى الأولى لمعركة "ردع العدوان" التي انتهت في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 بسقوط نظام بشار الأسد.
يختار الفيلم نقطة انطلاق واضحة في جملته الافتتاحية "أحد عشر يوماً أسقطت نظاماً بُني على فكرة الخلود"، لتأتي كإعلان موقف. يربط العمل بين سقوط النظام، وبين مسار طويل من إعادة بناء الفصائل في الشمال بعد هزائم العام 2018 وانحسار الجغرافيا، ويقدم معركة "ردع العدوان" كذروة جهد استمر سنوات، من حفر الأنفاق إلى تطوير الطائرات المسيرة وتأسيس قوات نخبة مثل "العصائب الحمراء"، ومن توحيد غرف العمليات إلى بناء بنك أهداف متعدد الخطوط، بهذه البنية يضع الفيلم الانهيار في قلب قرار عسكري، لا في غرفة مغلقة اتفق فيها "الكبار" على لحظة الخروج.
التسلّم والتسليم
في الخلفية تحضر رواية "التسليم والتسلّم" التي انتشرت في مواقع التواصل ودوائر سياسية وإعلامية، ورغم أن الوثائقي يذكر هذه الفكرة مرة واحد في مقدمة الفيلم على لسان الصحافي هادي العبدلله الذي قدم الفيلم، لكنه يتحرك ضدها طوال الوقت، فكل شهادة لقائد من "سرية الشاهين" عن مراحل تطوير المسيّرات تحت الحصار وكل رواية من قادة "العصائب الحمراء" عن سنوات التدريب وحفر الأنفاق والتسلل خلف خطوط العدو، وكل تفصيل يرويه مهندسو فرق الألغام والدعم اللوجستي عن الممرات السرية والموتورات الجبلية وخطوط الإمداد البديلة، تستخدم كقرائن على أن ما جرى كان حصيلة مشروع عسكري مختلف عن الصورة النمطية للفصائل خلال سنوات الانكسار.
ويعود الفيلم إلى ما بعد الحملة الروسية على إدلب وريف حماة العام 2018، حين انكمشت رقعة سيطرة المعارضة، وتجمع المهجّرون من حمص وريف دمشق ودرعا والغوطة في الشمال، ويبني خطه السردي بدءاً من إعادة تنظيم الصفوف وتوحيد القرار العسكري في غرف عمليات مشتركة ورفع مستوى التدريب في معسكرات دائمة وحفر أنفاق طويلة في الجبال والتلال للاختباء وتحريك القوات والسلاح وتشكيل "القوة الضاربة" التي سيجري استخدامها لاحقاً في حلب وحماة وحمص، هكذا تتحول هزائم ما بعد 2018 إلى مقدمة في الرواية، لا خاتمة لها.
في قلب هذه القوة يضع الفيلم جناحين رئيسيين، "سرية الشاهين" المسؤولة عن سلاح الطائرات المسيرة، و"العصائب الحمراء"، بوصفهما قوتي نخبة هجومية.. ويسرد دور طائرات الاستطلاع المصممة لتعويض الرصد البصري الخطر من خلف المتاريس وتطورت في ما بعد إلى طائرات تحمل قنابل تسقط من ارتفاع منخفض، قبل أن تتحول إلى طائرات انتحارية، وصولاً إلى طائرات (FPV) الموجهة والتي ظهرت بكثافة في معركة ردع العدوان. ويؤكد الفيلم من خلال شهادات القادة والعسكريين أن هذا المسار جرى بجهد محلي داخل سوريا المحاصرة، وأن السلاح لم يظهر فجأة في خريف 2024، بل راكم خبرته منذ العام 2016 مما يضعه في قلب الإعداد الطويل لا في هامش "لحظة القرار السياسي".
قوات النخبة
وقدّم الفيلم مجموعة "العصائب الحمراء" كاستجابة مباشرة لامتلاك النظام وميليشياته قوات نخبة خاصة، من تشكيلات "النمر" إلى مجموعات حزب الله والقوات الإيرانية، لذلك جرى انتقاء مقاتلين يخضعون لتدريب قاس على الاقتحام الليلي والتسلق في التضاريس الوعرة والعمل في مجموعات صغيرة خلف خطوط العدو، واستخدام الأنفاق كمسارات للحركة. ولعل أهم الروايات التي يقدمها الفيلم تتعلق بعملية اقتحام غرفة عمليات الفرقة 30 في جبهة حلب، حيث استطاع خمسة مقاتلين التسلل من خطوط غير متوقعة والدخول إلى غرفة تضم مستشاراً إيرانياً وعدداً من الضباط السوريين، ليقضوا على المجموعة بالكامل، ويتم الحديث عن هذه العملية باعتبارها ضربة عطلت قدرة قيادة النظام على إدارة المعركة في الشمال وربطت الانهيار التدريجي لتماسك الجبهة بضربة محددة الرأس والهدف.
جبهة الهندسة واللوجستيات
ويسلط الفيلم الضوء على الجبهة غير المرئية في عملية رد العدوان، وهي جبهة الهندسة واللوجستيات وتفاصيل لا تظهر عادة في التقارير العسكرية المتداولة، وعلى رأسها مهندسو فرق الألغام الذين دخلوا قبل أيام من "ساعة الصفر" إلى حقول الألغام لفتح ممرات للمقاتلين من دون تحريك الألغام من أماكنها حتى لتجنب إثارة شكوك ضباط النظام المخلوع، فضلاً عن فرق الاستطلاع التي رسمت بنك أهداف من أربعة خطوط دفاعية متتالية في ريف حلب وإدلب وحماة ثم الدعم اللوجستي الذي اعتمد على شبكة من الطرق الرئيسية والاحتياطية، وعلى "موتورات" جبلية محملة بالذخيرة والوقود والأجهزة تتحرك على مسارات فرعية عند قصف الجسور والطرق.
ويعيد "ساعة الصفر" رسم الطريق العسكرية إلى دمشق، بدءاً من فجر 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 في محور الشيخ عقيل قبتان الجبل، ومع اليومين الثاني والثالث تدخل القوات المحررة إلى أحياء حلب بعد معارك على المداخل وفي محيط "البحوث العلمية"، ثم ينتقل الثقل جنوباً إلى إدلب وسراقب ومعرة النعمان وخان شيخون وصولاً إلى ريف حماة الشمالي ومدرسة المجنزرات، قبل أن يصعد إلى جبل كفراع وجبل زين العابدين بوصفهما قاعدي نار تعيقان أي تقدم، وبعد حماة يفتح الطريق إلى حمص، مع الاعتراف بصعوبة الربط اللوجستي بسبب قصف جسر الرستن، لتظهر شهادات عن الطرق الجانبية والقرى التي عادت لتشكل جسراً بين الشمال والوسط. ومع الدخول إلى حمص، تحضر ذاكرة المدينة التي جرى حصارها وتفريغها وتهجير سكانها وهي تستقبل مقاتلين خرجوا منها قبل سنوات.
وفي المشاهد التي تسبق الوصول إلى دمشق يمتزج العسكري والإنساني. مقاتلون يروون الطريق من حمص إلى العاصمة كمسار عودة شخصية، وكمن يقترب من بيتٍ غاب عنه تسع سنوات. وتختصر لقطات ساحة الأمويين صباح 8 كانون الأول/ديسمبر تلك الخاتمة بعَلم جديد وآلاف السوريين في الساحة يرقصون ويبكون ويهتفون ليعلن سوريا حرة من نظام الأسد الذي نهب ما استطاع من ثروات وأموال وتوجه إلى قاعدة حميميم هارباً إلى روسيا، تاركاً خلفه قوات منهارة لتواجه مصيرها وحدها.
