العنف الرقمي في لبنان: آلاف الشكاوى..وعشرات الموقوفين فقط!

راغب مليالجمعة 2025/11/28
Image-1764323171
حجم الخط
مشاركة عبر

أضحى العنف الرقمي في لبنان آفة اجتماعية متنامية، تزداد حدتها مع اتساع الحضور في الفضاء الرقمي وتعدد المنصات الإلكترونية، ولا يستهدف ذلك النساء فقط، بقدر ما يطاول مختلف الأجناس والفئات العمرية من دون استثناء، ما يحيل إلى ضرورة تفعيل القوانين النافذة وتحديثها بما يواكب التطور الرقمي وتحدياته، إضافة إلى إقرار تشريعات جديدة تغطي المجالات غير المنظمة قانونياً، بما يضمن حماية شاملة لكل أفراد المجتمع.

 

وبين 25 تشرين الثاني/نوفمبر و10 كانون الأول/ديسمبر من كل عام، تتجدد عالمياً حملة "16 يوماً من النشاط لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي"، لتؤكد أن العنف ضد النساء والفتيات انتهاك لحقوق الإنسان. ويركز العالم هذا العام على "العنف الرقمي" باعتباره أحد أكثر أشكال العنف نمواً في العصر الحديث.

 

ظواهر لبنانية مقلقة 

وبرزت في لبنان خلال السنوات الماضية، ظواهر رقمية مقلقة باتت تمس المجتمع بأسره، من تعليقات مسيئة وخطاب كراهية وتهديدات وصولاً إلى الابتزاز عبر المنصات الرقمية. ولا تقتصر هذه الاعتداءات على فئة محددة، بل تطاول النساء والرجال والأطفال على حد سواء. لكن النساء عموماً يجدن أنفسهن أكثر عرضة للاستهداف بفعل عوامل اجتماعية وثقافية تجعل التبليغ عن الانتهاكات الرقمية أكثر تعقيداً، وتفاقم شعور الخوف أو الاستهداف أو وصمة العار. من هنا، تبرز أهمية المشاركة اللبنانية في الحملة العالمية باعتبارها فرصة لتسليط الضوء على هذه الظاهرة المتسارعة، وتعزيز الوعي المجتمعي حول ضرورة حماية الجميع في الفضاء الرقمي، تماماً كما في الحياة اليومية.

 

وفي إطار حملة جمعية "فيمايل" المستمرة، التي تستمر 16 يوماً تحت عنوان "البلوك المضمون.. بكون بالقانون"، والهادفة إلى الضغط لإقرار قانون وطني يحمي النساء والفتيات من العنف الرقمي، أكدت المديرة التنفيذية للجمعية حياة مرشاد لـ"المدن" أن العنف الإلكتروني أصبح واقعاً يومياً يطاول آلاف النساء. وقالت مرشاد أن "إشعاراً عادياً على الهاتف ربما يتحول بالنسبة لكثير من النساء إلى بداية تهديد أو ابتزاز"، مشيرة إلى أن العالم الرقمي، رغم انفتاحه، بات مساحة خوف للنساء بسبب الملاحقة وسرقة المعلومات والتشهير والتحرش، "وكلها ترتكب بكبسة زر". وكشفت أن لبنان يسجل شهرياً 300 حالة عنف رقمي على الأقل، وأن 80% من الضحايا نساء وفتيات وغالبيتهن قاصرات بين 12 و20 عاماً. كما أظهرت دراسة رسمية أن فقط 12% من النساء المعرضات لهذا النوع من العنف يبلغن عنه. 

 

عنف يتجاوز الشاشة

أضافت مرشاد أن العام 2022  شهد 2541 شكوى عنف إلكتروني مقابل 82 موقوفاً فقط، فيما ارتفع عدد الشكاوى العام 2023  إلى 3133  وتراجع عدد الموقوفين إلى 71، ما يبين حجم الفجوة بين حجم الجرائم والقدرة على ردعها. ورأت مرشاد أن العنف الرقمي "يتجاوز الشاشة"، حيث عبر 78% من النساء اللواتي تعرضن له عن معاناتهن من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، إضافة إلى تسجيل عشرات حالات الانتحار خلال السنوات الأخيرة نتيجة العنف عبر الإنترنت. كما أكدت أن "فيمايل" تعمل منذ العام 2020 على ترسيخ مفهوم الأمان الرقمي كحق إنساني، وأن ذلك ترجم في مشروع قانون لحماية النساء والفتيات من العنف الإلكتروني، وهو قانون "لا يقيد حرية الإنترنت بل يحمي الخصوصية والأمان". وأردفت: "حملتنا مستمرة لأن لبنان لن يكون آمناً ما لم تكن نساؤه وشاباته آمنات في الشارع، في البيت، وفي الفضاء الرقمي. المطلوب قانون يحمي ودعم مجتمعي يرفض العنف ولا يبرره".

 

في السياق أوضحت الدكتورة  في القانون الجزائي والباحثة في الحقوق الرقمية، عطاف قمر الدين، في حديث مع "المدن"، أن الأسباب الموجبة للقانون رقم 205 تاريخ 30/12/2020، الرامي إلى تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه، جاءت لتؤكد أنه "لم يعد من الجائز اعتبار التحرش الجنسي من المسائل التي يحرم الحديث بها، خصوصاً في ظل حملات التوعية التي تزايدت في الآونة الأخيرة، لأنه من الضروري، وأسوة بمختلف الدول، إقرار تشريعات تؤمن الحماية من جرائم التحرش الجنسي، بصرف النظر عن جنس أو سن الضحية وجنس وسن المرتكب". وتابعت قمر الدين أن هذا التوجه يعكس وعي المشرع بضرورة مواكبة التشريعات الحديثة في معاقبة التحرش بكافة أشكاله، حيث نص القانون 205/2020 في مادته الأولى على أن "التحرش الجنسي هو أي سلوك سيئ متكرر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر، يقع على الضحية في أي مكان وجدت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، وبأي وسيلة تم التحرش بما في ذلك الوسائل الإلكترونية". وبذلك يكون المشرع قد كرس تجريم العنف الرقمي ذي الطابع الجنسي، أي التحرش عبر الوسائل الرقمية.

 

المشرّع اللبناني لا يُجرّم التنمّر الإلكتروني

وأشارت قمر الدين إلى أن العنف الرقمي ربما يتخذ أشكالاً أخرى، مثل الابتزاز الرقمي، وهو ما يقع تحت منصوص المادة 650 من قانون العقوبات اللبناني التي تعاقب كل من يهدد شخصاً بفضح أمر أو إفشائه أو الإخبار عنه بما يمس قدره أو شرفه أو قدر أحد أقاربه أو شرفه، بهدف حمله على جلب منفعة غير مشروعة. كما لفتت إلى أن الفقرة الثانية من المادة (1) من قانون 205/2020 نصت أيضاً على أنه "يعتبر أيضاً تحرشاً جنسياً كل فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير". وأضافت أن سرقة المعلومات الخاصة، سواء لاستخدامها في الابتزاز أو الشتهير، تقع تحت طائلة القانون 81/2018 المتعلق بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي الذي يجرم الدخول غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية أو إفشاء المعلومات إلى غير المخولين بالاطلاع عليها.

 

في المقابل، أكدت قمر الدين وجود شغور تشريعي في مجال مكافحة العنف الرقمي، يبرز في عدم تجريم المضايقات الإلكترونية المتكررة أو الملاحقة عبر الإنترنت أو إغراق الضحية برسائل مهينة أو مزعجة، حيث لم يجرم المشرع حتى تاريخه ما يعرف بـ"التنمر الإلكتروني" الذي عرفه المشرع الفرنسي بموجب المادة (222-33-2) من قانون العقوبات بأنه أي كلام أو سلوك متكرر من شأنه أن يسبب تدهوراً أو اختلالاً في الصحة الجسدية أو العقلية للشخص، مع تشديد العقوبة إذا ارتكب الفعل عبر وسائل رقمية أو إلكترونية. واعتبرت أن هناك شغورا ًآخر في ما يتعلق بمكافحة خطاب الكراهية، بما في ذلك استخدام لغة مسيئة ضد مجموعات استناداً إلى هويتها أو جنسها، إضافة إلى غياب حماية واضحة للحق في الصورة خارج إطار قانون 81/2018، خصوصاً مع انتشار أفعال مستحدثة مثل إنشاء مقاطع فيديو أو صور جنسية مفبركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي تدخل ضمن مفهوم العنف الرقمي. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث